توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
في كلّ مجلس عائلي يُسأل طالب الثانوية السؤال نفسه: ماذا ستدرس؟ والجواب المتوقّع تخصّص، والتقدير الاجتماعي يتبع نوع التخصّص.
وقد كان هذا السؤال منطقياً حين كان الطريق واضحاً: تخصّص، ثمّ وظيفة مبتدئة، ثمّ صعود تدريجي.
والمشكلة أنّ الدرجة الأولى في هذا السلّم هي بعينها ما بدأ يتآكل.
في مقال نُشر في مايو 2026 بعنوان «حان وقت معالجة الأزمة الوشيكة في الوظائف المبتدئة» يُطرح تشخيص مباشر: أنّ المهامّ التي كانت تُسند تقليدياً إلى الموظّف الجديد، من تلخيص وصياغة أوّلية وفرز وبحث أوّلي وتفريغ، هي أوّل ما تجيده أنظمة الذكاء الاصطناعي.
والنتيجة ليست اختفاء المهنة بالضرورة، وإنّما اختفاء المدخل إليها. فالمهندس والمحاسب والمحامي والمصمّم ما زالوا مطلوبين، غير أنّ السنة الأولى التي كان الخرّيج يتعلّم فيها بالممارسة تتقلّص. ومعنى ذلك أنّ الخرّيج مطالَب بأن يصل وقد تعلّم بالفعل جزءاً ممّا كان يُتعلَّم في العمل.
وماذا يعني هذا لمراهق سعودي اليوم
أوّلاً: أنّ اختيار التخصّص لم يعد قراراً وحيداً حاسماً، وإنّما صار قراراً من قرارين، وثانيهما: ماذا سأراكم من خبرة ودليل قبل أن أتخرّج؟
وثانياً: أنّ «التخصّص الآمن» مفهوم تراجعت موثوقيته، فالأمان اليوم أقرب إلى مجموعة قدرات تنتقل بين المجالات منه إلى اسم تخصّص بعينه.
وثالثاً: أنّ التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه زميلاً في العمل صار كفاية أساسية لا ميزة إضافية، على النحو الذي صارت به الحوسبة المكتبية قبل عقدين.
خمس قدرات تصمد
أوّلها الحكم على الجودة، فالأداة تنتج بسرعة، وصارت القيمة في تمييز الجيّد من الرديء والحكم على ما يُنتَج.
وثانيها صياغة السؤال، فمن يعرف كيف يحدّد المشكلة يسبق من يعرف كيف ينفّذ الحلّ.
وثالثها التواصل الإنساني، من إقناع وتفاوض وإدارة خلاف وقراءة للمجلس، وهو أبعد ما يكون عن الأتمتة.
ورابعها التعلّم الذاتي السريع، أي القدرة على إتقان أداة أو مجال جديد في أسابيع.
وخامسها الموثوقية، من الالتزام بالمواعيد وإنهاء ما يُبدأ. وهي أبسط ما في القائمة وأندرها فعلاً في سوق العمل.
وأمّا الدليل العملي
فالكلام عن القدرات يبقى نظرياً ما لم يتحوّل إلى شيء ملموس، وأمام طالب الثانوية ثلاثة أشكال واقعية.
أوّلها عمل حقيقي منشور: مشروع، أو تطبيق بسيط، أو تقرير، أو تصميم، أي شيء يمكن أن يُفتح ويُرى، وحجمه أقلّ أهمّية من كونه موجوداً.
وثانيها تجربة ميدانية قصيرة: أسبوعان في مكتب أو عيادة أو ورشة أو متجر عائلي. والقيمة ليست في المهمّة، وإنّما في أن يرى كيف يعمل الناس فعلاً.
وثالثها مسؤولية متكرّرة: إدارة نشاط، أو تدريب فريق أصغر، أو التزام أسبوعي ستّة أشهر. وهذه هي التي تُثبت الموثوقية ولا يمكن ادّعاؤها.
وهذا كلّه يتقاطع مع برنامج تنمية القدرات البشرية ضمن رؤية 2030، القائم على تطوير قدرات المواطن للمنافسة عالمياً. ومعنى ذلك أنّ ما نطلبه من أبنائنا هنا ليس اجتهاداً فردياً، وإنّما يسير مع الاتّجاه الوطني نفسه.
مسارات قلّ من يلتفت إليها
النقاش العائلي يدور في الغالب حول عدد محدود من التخصّصات الجامعية، وثمّة مسارات أخرى قائمة مطلوبة.
منها المسار التقني والتطبيقي: كلّيات ومعاهد تخرّج بمهارة قابلة للتشغيل مباشرة، وكثير من تخصّصاتها يصعب أتمتته لأنّه يجمع بين اليد والحكم، كالصيانة المتخصّصة، والتشغيل الصناعي، والتقنيات الصحّية.
ومنها الشهادات المهنية القصيرة: في المحاسبة والأمن السيبراني وتحليل البيانات وإدارة المشاريع، تُبنى بالتوازي مع الدراسة وتعطي دليلاً ملموساً قبل التخرّج.
ومنها العمل الحرّ المبكر: التصميم، والبرمجة، والترجمة، والمونتاج. والقيمة هنا ليست الدخل، وإنّما أن يتعامل الطالب مع عميل حقيقي وموعد نهائي حقيقي وهو في السابعة عشرة.
ومنها ريادة صغيرة: مشروع محدود وإن لم يستمرّ، فالباقي منه المهارة والقصة، وكلاهما يُسأل عنه في كلّ مقابلة لاحقة.
وليس في هذا صرف للطالب عن الجامعة، وإنّما هو ألّا يكون التخصّص الجامعي الشيء الوحيد الذي يملكه يوم يتخرّج.
أربعة أسئلة تحلّ محلّ «ماذا ستدرس؟»
ما الذي تشتغل فيه فتنسى الوقت؟ يكشف الميل الحقيقي لا المُعلَن.
من تعرف ممّن يعمل في هذا المجال، وهل نستطيع أن نكلّمه؟ عشرون دقيقة مع ممارس تعدل عشرين مقالاً.
ما أصغر شيء تستطيع أن تفعله هذا الشهر لتجرّب هذا المجال؟ ينقل النقاش من التخيّل إلى التجربة.
ولو لم ينجح هذا المسار، فما المسار الثاني؟ يعلّمه التفكير في بدائل، وهي مهارة ستلزمه أكثر من أيّ تخصّص.
ويُضاف سؤال خامس بعد سنة من الآن: هل تغيّر رأيك؟ ولماذا؟ فالمراهق الذي يُسمح له بأن يغيّر رأيه بعد تجربة يتعلّم أنّ القرار المهني مسار يُراجَع لا حكم يُنطق مرّة واحدة. وأمّا الذي يشعر بأنّ اختياره في السابعة عشرة مُلزم إلى الأبد، فسيتمسّك بخيار خاطئ سنوات لا لشيء إلّا لأنّه أعلنه أمام الناس.
وتحذير مهمّ
فلا تنقل قلقك إليه، فالمراهق الذي يسمع أنّ الوظائف ستختفي لا يستعدّ، وإنّما يتجمّد أو ينسحب.
والرسالة الصحيحة أهدأ وأدقّ: أنّ الطريق تغيّر شكله لا أكثر، وأنّ من يبني قدرات حقيقية ودليلاً ملموساً على أنّه يستطيع أن يعمل سيجد مكانه.
والدور الوحيد المطلوب منك أن تجعل التجريب ممكناً غير مكلف: أن يجرّب، وأن يخطئ، وأن يغيّر رأيه في السابعة عشرة بدل أن يغيّره في الخامسة والعشرين.














