قبل أن تنشر صورته: كيف تتشكل هوية طفلك الرقمية

استحضر في ذهنك كلّ ما نشرته عن ابنك: صورة الولادة، وأوّل يوم مدرسة، والحفلة، والرحلة، والمقطع الطريف الذي ضحك منه الجميع.
فبحلول سنّ الثالثة عشرة يكون الوالدان قد نشرا عن الطفل قرابة 1300 صورة ومقطع، وفق تقديرات منظّمة إنترنت ماترس البريطانية. وهو أرشيف رقمي كامل بدأ قبل أن يتعلّم الطفل الكلام، أنشأه شخصان يحبّانه، ولم يُستأذن هو في سطر واحد منه.
وهذا الموضوع، الذي يسمّيه الباحثون «النشر الوالدي»، دخل خلال العامين الماضيين دائرة الإرشاد المهني المعتمد بعد أن كان حكراً على الأدبيات الأكاديمية، ولم يعد يُطرح اليوم بوصفه مسألة خصوصية تقنية، وإنّما بوصفه مسألة حقّ من حقوق الطفل.

أخطر ما في الأمر ليس أوّل ما يخطر بالبال

فحين يجري التحذير من نشر صور الأطفال يذهب الذهن مباشرة إلى المتحرّشين، وهذا خطر حقيقي غير أنّه ليس أكثر المخاطر وقوعاً.
وأكثر منه وقوعاً الملفّ التراكمي. وتشير اليونيسف إلى أنّ الصور المنشورة لا تُقرأ منفردة وإنّما تُجمع، فاسم المدرسة يظهر على الزيّ في صورة، واسم الحيّ في وسم صورة أخرى، وتاريخ الميلاد في تهنئة سنوية، والنادي الرياضي في مقطع ثالث. كلّ واحدة منها بريئة، ومجموعها ملفّ يعرف عن الطفل أكثر ممّا يعرفه أبوه عن جيرانه، وسماسرة البيانات يبنون هذه الملفّات آلياً.
ويلي ذلك إعادة الاستخدام، فالصورة المنشورة يمكن أن تُقتطع وتُوضع في سياق آخر تمام الاختلاف، كأن تُجعل مادة ساخرة أو صورة مركّبة بالذكاء الاصطناعي. وقد رصدت مراجعة منهجية نُشرت عام 2025 وشملت 21 دراسة عن سلوك النشر الوالدي هذه المخاطر بعينها، وهي سرقة الهوية والاستغلال وفقدان الطفل السيطرة على صورته.
وأمّا الثالث فهو أهمّها وأقلّها ذكراً، وهو الاستقلالية. فالطفل الذي يكبر ليجد لحظات بكائه وعقابه ومرضه منشورة أمام مئات الناس لا يشتكي من خطر أمني، وإنّما يشتكي من أنّ أحداً لم يسأله. وحين يبلغ الرابعة عشرة ويطلب الحذف يكون الأرشيف قد انتشر انتشاراً يتعذّر معه تداركه.

ما يقرّره النظام السعودي

ونظام حماية الطفل الصادر بالمرسوم الملكي رقم م 14 يعرّف الطفل بأنّه كلّ من لم يتجاوز الثامنة عشرة، ويعدّد في مادّته الثالثة صور الإيذاء والإهمال، ويقرّر في مادّته الخامسة عشرة مسؤولية الوالدين عن رعاية الطفل وحمايته.
والنظام لا يجرّم نشر صورة عائلية عادية بطبيعة الحال، غير أنّه يرسّخ مبدأً ينبغي أن يحكم قرار النشر، وهو أنّ الطفل صاحب حقّ مستقلّ لا امتداد لحساب والديه.

«لكنّها مجموعة عائلية مقفلة»

صحيح أنّ إرسال صورة إلى مجموعة من عشرين شخصاً يعرفهم الوالد جميعاً ليس كنشرها على حساب عامّ، غير أنّ الفرق أصغر ممّا يُظنّ لسببين: أنّ المجموعة المقفلة يمكن أن تُصوَّر شاشتها وتُنشر في ثانية، وأنّ الصورة تبقى في أرشيف عشرين جهازاً لا يتحكّم في واحد منها.
فالأولى أن تُعامَل كلّ صورة على أنّها قد تخرج من دائرتها. ومن كان له حساب عامّ فليراجع اليوم من يستطيع رؤية منشوراته القديمة.

وأمّا الأقارب

فكثير من الآباء يضبطون سلوكهم ثمّ تنشر الخالة أو الجدّة الصورة نفسها. والطلب هنا حسّاس اجتماعياً، ولذلك ينبغي أن يكون مسبقاً عامّاً لا لاحقاً شخصياً. فتُخبَر العائلة مرّة واحدة، بلطف وبصيغة القاعدة لا الاتّهام: قرّرنا ألّا ننشر صور الأطفال، ونحن شاكرون لكم إن سرتم معنا على ذلك.
فالقاعدة المعلنة قبل المناسبة أيسر بكثير من طلب الحذف بعدها.

خمس قواعد تحسم القرار في ثانيتين

١. لا زيّ مدرسي ولا اسم مدرسة، فهذان معاً يحدّدان أين يوجد الطفل خمسة أيام في الأسبوع.
٢. لا موقع لحظي، فليكن النشر بعد مغادرة المكان لا أثناء الوجود فيه، والقاعدة نفسها تنطبق على الرحلات والاستراحات.
٣. لا لحظات ضعف، كالبكاء والعقاب والمرض والفشل الدراسي والمواقف المضحكة على حسابه. والقياس يسير: هل كان الوالد يرضى أن تُنشر عنه صورة مماثلة أمام زملائه في العمل؟
٤. لا صور استحمام ولا ملابس داخلية، فهي مهما بدت بريئة في سياقها لا تبقى في سياقها.
٥. الاستئذان من سنّ الرابعة، بسؤال من كلمات معدودة: هل أستطيع أن أنشر هذه الصورة؟ ورفضه مقبول نهائي. والاستئذان ليس لأنّ رأيه ملزم قانوناً، وإنّما لأنّ الوالد يعلّمه بذلك أنّ جسده وصورته ملكه، وهذا الدرس بعينه هو ما سيحميه لاحقاً في مواقف أخطر بكثير.

ما يتغيّر بعد العاشرة

يتغيّر شيء واحد كبير، وهو أنّ الطفل يصير له جمهور خاصّ به، فالصورة التي تبدو للوالد لطيفة قد تكون عند ابنه مادّة تنمّر أسبوعاً كاملاً في المدرسة.
ومن هذه السنّ فصاعداً يصير حقّ النقض له لا لوالده. فإن قال لا فالجواب لا، من غير تفاوض ومن غير «لكنّها جميلة». وهذا هو الاختبار الحقيقي لما عُلِّمه منذ الرابعة.

حين يصير الطفل محتوى

وثمّة نمط انتشر في السنوات الأخيرة، وهو أن يُفرد للطفل حساب خاصّ، أو أن يكون حاضراً على الدوام في محتوى أحد والديه، مع متابعين وتعليقات وعائد مادّي أحياناً. وهنا تتبدّل طبيعة السؤال، فالطفل لم يعد يشارك في ذكرى عائلية، وإنّما صار طرفاً في إنتاج لم يوقّع عليه، وقد يُطلب منه أن يعيد المشهد أو يظهر بمزاج معيّن.
ويسبق كلَّ شيء معياران: هل يستطيع أن يرفض التصوير اليوم من غير أن يترتّب على رفضه شيء؟ وهل ما يُنشر عنه شيء يقبله وهو في العشرين؟ فإن كان الجواب عن أحدهما لا، فالمحتوى ليس عن الطفل وإنّما على حسابه.
وأخيراً: عُد إلى الوراء
خصّص نصف ساعة هذا الأسبوع لمراجعة ما نشرته سابقاً، واضبط حساباتك على «خاصّ»، واحذف ما تندم عليه.
فالأرشيف الذي أنشأته أنت هو الجزء الوحيد من حياة ابنك الرقمية الذي ما زال تحت سيطرتك.

0
شارك المقال :
مقالات ذات صلة :
توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
الصور المفبركة والابتزاز الرقمي
الصور المفبركة والابتزاز الرقمي
المراهقون هم الفئة الأكثر شعوراً بالوحدة في العالم
المراهقون هم الفئة الأكثر شعوراً بالوحدة في العالم
علامات تدلّ على أنّ ابنك صار معتمداً على الذكاء الاصطناعي
علامات تدلّ على أنّ ابنك صار معتمداً على الذكاء الاصطناعي
المشكلة في التمرير لا في الشاشة
المشكلة في التمرير لا في الشاشة
لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
الهاتف الأوّل: الحادية عشرة هي الحافّة
الهاتف الأوّل: الحادية عشرة هي الحافّة
التربية اللطيفة بعد التصحيح
التربية اللطيفة بعد التصحيح
تنظيم المشاعر قبل التلقين
تنظيم المشاعر قبل التلقين
قاعدة الساعتين لم تعد قائمة
قاعدة الساعتين لم تعد قائمة
كيف تحسن الألعاب الذهنية انتباه طفلك؟
كيف تحسن الألعاب الذهنية انتباه طفلك؟
خطوات عملية لتعليم طفلك مهارات تكوين الصداقات
خطوات عملية لتعليم طفلك مهارات تكوين الصداقات
كيف تحوّل نوبة الغضب عند الأطفال إلى لحظة هدوء؟
كيف تحوّل نوبة الغضب عند الأطفال إلى لحظة هدوء؟
أفعالك هي مرآة بناء مستقبل طفلك
أفعالك هي مرآة بناء مستقبل طفلك