المراهقون هم الفئة الأكثر شعوراً بالوحدة في العالم

في كلّ مدرسة طالب يمرّ عليه المعلّمون بلا قلق. له مجموعة يجلس معها في الفسحة، ويردّ على المزاح، ودرجاته لا بأس بها.
ولو سُئل: من الشخص الذي تستطيع أن تخبره بما يزعجك؟ لما وجد اسماً.
فحين تُذكر الوحدة يذهب الذهن إلى مسنّ في بيت خالٍ، وهذه الصورة ليست خاطئة، غير أنّها ليست أكثر الصور وقوعاً.
ففي تقرير مفوّضية منظّمة الصحة العالمية للتواصل الاجتماعي الصادر في يونيو 2025، جاءت النسب تختلف عمّا نتصوّر: 20.9 بالمئة من الفئة العمرية 13-17 سنة يشعرون بالوحدة، مقابل 11.8 بالمئة ممّن تجاوزوا الستّين. فالمراهقون هم الفئة الأعلى بين الفئات التي قِيست كلّها.
ولهذا ثمن، إذ يقدّر التقرير أنّ الوحدة والعزلة الاجتماعية ترتبطان بنحو 871 ألف وفاة سنوياً حول العالم.

«الصحة الاجتماعية» ركيزة ثالثة

الذي يقترحه هذا الخطّ البحثي أن نتعامل مع التواصل الاجتماعي بوصفه ركيزة صحية قائمة بذاتها، إلى جانب الصحة الجسدية والنفسية.
ومعنى ذلك أنّ سؤال «كم صديقاً حقيقياً لديه؟» ليس سؤالاً اجتماعياً ترفيهياً، وإنّما هو سؤال صحّي بالمعنى الدقيق.

ولماذا المراهق تحديداً

هناك ثلاثة أسباب يتداخل بعضها ببعض.
أوّلها أنّ التوقّع مرتفع، فالمراهق يتوقّع من الصداقة أكثر ممّا يتوقّعه الطفل، من قرب وفهم وولاء. والفجوة بين ما يتوقّعه وما يجده هي ما يتسبب في الشعور بالوحدة، لا العدد المجرّد للأصدقاء.
وثانيها أنّ المقارنة دائمة، فهو يرى يومياً تجمّعات لم يُدعَ إليها. وقد صار الشعور بالاستبعاد مرئياً موثّقاً بعد أن كان يمرّ من غير أن يعلم به.
وثالثها أنّ الإفصاح أصعب، فالاعتراف بالوحدة في هذه السنّ يعدل الاعتراف بفشل اجتماعي، فيُخفى بعناية، وخلف انشغال ظاهري في الغالب.
ولهذا يعود بنا الأمر إلى الطالب في أوّل المقال: فالعدد لا يقيس شيئاً. ومراهق محاط بعشرين شخصاً كلّ يوم قد يكون وحيداً تمام الوحدة، لأنّ المسألة ليست عدد من حوله، وإنّما وجود شخص واحد يستطيع أن يقول له ما لا يقوله لغيره.

ماذا عن سياقنا السعودي؟

الأرقام المحلّية تشير إلى الاتّجاه نفسه من زاوية أخرى.
في المسح الوطني السعودي للصحة النفسية بلغ الانتشار مدى الحياة لأيّ اضطراب نفسي بين الشباب 40.1 بالمئة، في حين أنّ 14.47بالمئة فقط ممّن أصيبوا تلقّوا أيّ علاج في حياتهم. وفي دراسة سعودية على مراهقين بين الحادية عشرة والسابعة عشرة، قال 20.2 بالمئة إنّهم لن يطلبوا المساعدة من أحد إن تعرّضوا للأذى الإلكتروني.
وفي المقابل، وجد تقرير بريطاني أنّ 23 بالمئة من الأطفال الأشدّ هشاشة يقولون صراحةً إنّه لا أحد غير روبوتات الدردشة يتحدّثون إليه، وهم أنفسهم الأعلى استخداماً لروبوتات الدردشة بوصفها بديلاً.
فالوحدة لا تبقى فراغاً إذاً، وإنّما يملؤها شيء آخر.

الفرق بين الانسحاب والانقطاع

وهذا التمييز أهمّ ما يحتاجه الوالد والموجّه معاً.
فالانسحاب طبيعي: يقلّ كلامه في البيت، ويقضي وقتاً أطول في غرفته، ويفضّل أصدقاءه على أهله. وهذا نموّ لا عرض.
وأمّا الانقطاع مقلق: أن يترك أنشطة كان يحبّها، وأن تختفي أسماء الأصدقاء من حديثه اختفاءً تامّاً، وأن يتغيّر نومه أو أكله، وأن يتوقّف عن الخروج نهائياً، وأن يقول ما يوحي بأنّه عبء على من حوله.
والقاعدة العملية أنّ الانسحاب يخصّك أنت، وأنّ الانقطاع يخصّ حياته كلّها. فالأوّل لا يستدعي تدخّلاً، والثاني يستدعيه في الحال.

ستّ خطوات للأسرة

١. لا تسأله: أتشعر بالوحدة؟ فلن يجيب. وإنّما اسأله: مع من جلست اليوم؟ وهو سؤال عن وقائع لا عن مشاعر.
٢. سهّل الالتقاء لا الحديث عنه: التوصيل، والاستضافة، والوقت غير المجدوَل. فالمراهق لا يبني صداقة بالنصيحة وإنّما بالوقت المشترك.
٣. اربطه بنشاط له وجه: ناد، أو فريق، أو عمل تطوّعي. فالصداقة في هذه السنّ تُبنى جنباً إلى جنب حول نشاط.
٤. لا تقلّل من شأن ما يرويه، فقولك «هذه أمور بسيطة» يغلق الباب. والموقف الذي يبدو لك صغيراً قد يكون حدث أسبوعه.
٥. تحدّث عن مشاعرك أنت في سنّه، فلا شيء يخفّف عن مراهق أكثر من أن يعرف أنّ ما يشعر به ليس عيباً فيه.
٦. احمِ صلة واحدة على الأقلّ: عمّ، أو ابن خالة، أو أستاذ. فالمراهق الذي له بالغ واحد غير والديه يثق به يكون في وضع مختلف تماماً.

ملاحظة عن الانتقالات

الوحدة لا تتوزّع بالتساوي على السنة، وأعلى نقاطها ثلاث: الانتقال إلى مدرسة جديدة، والأسابيع الأولى من العام الدراسي حين يُعاد تشكيل المجموعات، وما بعد الإجازات الطويلة حين ينقطع الطالب عن دائرته أسابيع ثمّ يعود ليجد شيئاً قد تغيّر في غيابه.
والأسرة التي تعرف هذه النقاط تتدخّل قبل الحاجة، فتسأل أكثر في أوّل أسبوعين، وتفتح البيت للزيارات في أوّل العام، ولا تنتظر أن يشتكي. فالمراهق في هذه المواضع بالذات هو الأقلّ قدرة على أن يشتكي.

وللموجّه الطلّابي

هناك ثلاث ممارسات عالية العائد. الطالب الذي يجلس وحده أسبوعين متتاليين يستحقّ حديثاً. وأن يستخدم الأنشطة الصغيرة لا الكبيرة، فمهمّة ثنائية أنفع للطالب المنسحب من فعالية كبرى. وأن يسأل عن اسم: من أقرب أصدقائك في المدرسة؟ فالطالب الذي لا يجد اسماً واحداً يقوله هو قد يعاني من الوحدة.

ومتى يُطلب دعم متخصّص

إن استمرّ الانقطاع أكثر من أسبوعين، أو صاحبه تغيّر واضح في النوم أو الأكل أو الدراسة، أو ظهر في كلامه يأس أو إشارة إلى إيذاء النفس، فالمسألة قد تجاوزت حدود الدعم الأسري. فتحدّث إلى الموجّه الطلّابي واطلب دعماً مختصّاً بلا تأخير.
والوحدة ليست ضعفاً في شخصية ابنك، وإنّما هي حال شائعة في سنّه أكثر من أيّ سنّ أخرى، وهي من أكثر الحالات استجابة حين يلتفت إليها أحد مبكراً.

0
شارك المقال :
مقالات ذات صلة :
توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
الصور المفبركة والابتزاز الرقمي
الصور المفبركة والابتزاز الرقمي
علامات تدلّ على أنّ ابنك صار معتمداً على الذكاء الاصطناعي
علامات تدلّ على أنّ ابنك صار معتمداً على الذكاء الاصطناعي
من فكرة في الصفّ إلى أثر في الحيّ
من فكرة في الصفّ إلى أثر في الحيّ
المشكلة في التمرير لا في الشاشة
المشكلة في التمرير لا في الشاشة
لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
الهاتف الأوّل: الحادية عشرة هي الحافّة
الهاتف الأوّل: الحادية عشرة هي الحافّة
التربية اللطيفة بعد التصحيح
التربية اللطيفة بعد التصحيح
تنظيم المشاعر قبل التلقين
تنظيم المشاعر قبل التلقين
قبل أن تنشر صورته: كيف تتشكل هوية طفلك الرقمية
قبل أن تنشر صورته: كيف تتشكل هوية طفلك الرقمية
قاعدة الساعتين لم تعد قائمة
قاعدة الساعتين لم تعد قائمة
درب طفلك على مهارات التركيز والانتباه
درب طفلك على مهارات التركيز والانتباه
كيف تحسن الألعاب الذهنية انتباه طفلك؟
كيف تحسن الألعاب الذهنية انتباه طفلك؟
خطوات عملية لتعليم طفلك مهارات تكوين الصداقات
خطوات عملية لتعليم طفلك مهارات تكوين الصداقات