تنظيم المشاعر قبل التلقين
طفل في الرابعة يستلقي على أرض المجمّع التجاري ويصرخ، أو طفلة في الصفّ تدفع كرسيّها وتبكي لأنّ لوناً واحداً نقص من علبتها.
وفي المشهدين يبدأ الكبير من المكان نفسه، وهو الكلام: قم، وعيب، واهدأ حتى أشرح لك.
وهذا آخر ما ينفع، لأنّه جاء في أوّل الترتيب.
الترتيب الذي ينفع
فالطفل في هذه السنّ لا يملك بعدُ جهاز تهدئة ذاتياً مكتملاً، وإنّما يستعير الهدوء من الكبير الذي أمامه، وهو ما يسمّيه المختصّون التنظيم المشترك.
ومعنى ذلك عملياً أنّ الترتيب يبدأ بجهاز الكبير العصبي، فالمتوتّر يضخّم النوبة ولا ينهيها. ثمّ يأتي التنظيم الحسّي بتقليل الضوضاء والإضاءة والجمهور. ثمّ التهدئة بالحضور والصوت المنخفض لا بالإقناع. ثمّ التعليم في آخر الأمر، بعد أن يهدأ الطفل لا أثناء انفعاله.
والأخطاء الشائعة كلّها تقريباً محاولةٌ لتنفيذ الخطوة الأخيرة في وقت الخطوة الثالثة. فالدماغ في ذروة الانفعال لا يستقبل درساً، ومحاولة تلقينه في تلك اللحظة أشبه بمحاولة الكتابة على ورقة مبتلّة.
ما يسنده البحث
وأقوى ما في هذا الترتيب سنداً بحثياً ما يُعرف بالتدريب الوجداني، وهو أن يتعامل الوالد أو المعلّمة مع انفعال الطفل بوصفه فرصة قرب وتعليم لا إزعاجاً يجب إسكاته. والدراسات في هذا الخطّ تربط التدريب الوجداني بقدرة أفضل لدى الطفل على تنظيم انفعالاته، وأعراض سلوكية أقلّ، وتقدير ذات أعلى. وفي المقابل ارتبط ضعفه بصعوبة أكبر في تنظيم الخوف والحزن والغضب.
وللمسألة بُعد جسدي أيضاً، فقد أظهرت قياسات فسيولوجية أجراها فريق جوتمان أنّ الأطفال الأفضل تنظيماً لا يتفاعلون مع الضغط بدرجة أقلّ بالضرورة، غير أنّهم يتعافون منه أسرع.
وفي هذا راحة للوالدين من هدف مستحيل، فالمطلوب ليس طفلاً لا يغضب، وإنّما طفل يعود إلى توازنه بسرعة أكبر.
ما يسبق النوبة
فكثير من النوبات لا يبدأ من الموقف الظاهر، وقبل كلّ شيء تُراجَع أربعة أسباب صامتة. أوّلها الجوع، ولا سيّما في الساعة السابقة للغداء. وثانيها النوم، وأثره يظهر متأخّراً بساعات لا فور حدوثه. وثالثها الحِمل الحسّي في مجمّع تجاري أو مناسبة عائلية أو صفّ صاخب، فالطفل لا يشتكي من الضجيج وإنّما ينفجر بسببه.
وأمّا الرابع فهو الأوّل عملياً، وهو الانتقال المفاجئ بين الأنشطة. وعلاجه يسير جداً، وهو التنبيه المسبق: بقيت خمس دقائق ثمّ نمضي، ثمّ بقيت دقيقتان. فالطفل الذي يعرف ما سيحدث يقاومه أقلّ بكثير من الطفل الذي يُفاجأ به.
وأمّا أثناء النوبة
فاخفض صوتك ومستواك معاً، وانزل إلى ارتفاع عينيه، وتكلّم بصوت أخفض من صوته. فرفع الصوت في وجه طفل منفعل يزيد النار وقوداً، وخفضه يُلجئ أذنه إلى الإنصات.
ثمّ سمِّ الشعور ولا تناقشه: أنت غاضب لأنّ اللون نفد. جملة واحدة ثمّ صمت، من غير تفنيد ولا تصحيح ولا قول «هذا لا يستحقّ». فتسمية الشعور تخفّض حدّته، ومناقشته ترفعها.
وقلّل المدخلات: أخرجه من مركز المشهد، وأطفئ الموسيقى، وأبعد الجمهور. فكثير ممّا نسمّيه عناداً هو في حقيقته حِمل حسّي فوق طاقته.
وأجّل الدرس، فقولك «نتحدّث لاحقاً» ليس تنازلاً وإنّما توقيت. فالحديث بعد عشرين دقيقة يصل، والحديث أثناء الصراخ لا يصل أبداً.
نوبة غضب أم إرهاق حسّي
وهذا تمييز يوفّر على الكبار جهداً كثيراً. فنوبة الغضب لها هدف، إذ يريد الطفل شيئاً، ويراقب الكبير وهو يبكي، ويهدأ حين يحصل عليه أو حين يقتنع أنّه لن يحصل عليه. وأمّا الإرهاق الحسّي فلا هدف له، إذ يبدأ بعد وقت طويل في مكان صاخب أو مزدحم، ولا يراقب الطفل فيه أحداً، ولا يتوقّف بالمنح ولا بالمنع، لأنّ جهازه العصبي تجاوز طاقته.
والفرق مهمّ لأنّ المعالجة مختلفة تمام الاختلاف، فالأولى تحتاج حدّاً ثابتاً وهدوءاً، والثانية تحتاج مغادرة المكان لا نقاشاً. والإصرار على إكمال المشوار في الحالة الثانية يطيل النوبة ولا ينهيها.
وأمّا في مكان عامّ
فقاعدة واحدة تُضاف: لا تُدِر النوبة وأنت تدير نظرات الناس.
فالوالد الذي يشعر بالحرج يتصرّف بسرعة وبقسوة أو يستسلم في الحال، وكلاهما يعلّم الطفل أنّ المكان العامّ ورقته الرابحة. فانقله إلى مكان أهدأ، إلى السيارة أو إلى ممرّ جانبي، وطبّق الخطوات نفسها. فهؤلاء الناس لن تراهم مرّة أخرى، وأمّا ابنك فستربّيه عشرين سنة.
خمسة أشياء لا تفعلها
فلا يُسأل الطفل في الذروة: لماذا تفعل هذا؟ فهو لا يعرف. ولا يُهدَّد بشيء لن يُنفَّذ. ولا يُسخَر منه ولا يُقلَّد صوته. ولا يوعَد بمكافأة ليسكت، فهذه أسرع طريق إلى تحويل النوبة مهارةَ تفاوض. ولا تُناقَش عدالة القاعدة أثناء النوبة، وإنّما تُناقَش غداً وهو هادئ إن أُريد ذلك.
وأمّا الحدود
فهنا يقع أكثر أنواع سوء الفهم شيوعاً، وهو أنّ التنظيم المشترك يعني التنازل.
وليس الأمر كذلك البتّة. فالقاعدة تبقى قاعدة، والممنوع يبقى ممنوعاً، والطفل الذي رمى الطعام ينظّفه بعد أن يهدأ. والفرق في التوقيت وحده، إذ يُنفَّذ الحدّ بعد التهدئة لا خلالها، وبصوت هادئ لا بصوت غاضب. فالدفء لا يُلغي الحزم، وأفضل ما تدلّ عليه البحوث التربوية هو الجمع بينهما لا المفاضلة.
وللمعلّمة عنصران في الصفّ
أوّلهما ركن تهدئة، وهو زاوية صغيرة فيها وسادة وكتاب وشيء يُضغط باليد، تُقدَّم بوصفها خياراً لا عقوبة. وثانيهما إشارة متّفق عليها يستخدمها الطفل حين يشعر بالضيق قبل أن ينفجر، فيقوم إلى الركن من غير أن يشرح أمام زملائه.
فالطفل الذي يملك مخرجاً كريماً يستخدمه، والذي لا يملكه ينفجر.
وأصعب ما في هذا الترتيب كلّه أنّه يطالب الكبير بالجزء الأثقل قبل الطفل، وهذا بعينه سبب نجاحه.














