قاعدة الساعتين لم تعد قائمة

في مساءٍ لا يختلف عن غيره، يفتح أبٌ إعدادات جوّال ابنه ليرى تقرير «وقت الشاشة اليومي»، فيقف عند الرقم: ثلاث ساعات وأربعون دقيقة. يمسّه شيء من الذنب فيعزم على التشديد في الأسبوع المقبل، ثمّ يمضي الأسبوع ويعود الرقم كما هو تقريباً، ويعود معه الشعور نفسه.
هذه دورة يعيشها آلاف الآباء، ومدارها كلّه على رقم واحد ورثناه من عام 2016، وهو ساعتان. وموضع الإشكال أنّ هذا الرقم لم يعد يحمل المعنى الذي كنّا نحمّله إيّاه.

بيانٌ جديد يحلّ محلّ القديم

ففي يناير 2026 أصدرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بياناً جديداً بعنوان «الأنظمة الرقمية والأطفال والمراهقون»، حلّ محلّ توصيات 2016 التي وُلدت منها قاعدة الساعتين.
وينبغي التدقيق هنا، فقد تناقلت بعض المواقع الخبر بصياغة أوسع ممّا يحتمل. فالبيان لم يُلغِ الأرقام، وإنّما أنزلها من مرتبة القاعدة إلى مرتبة الاسترشاد، فصار الحديث عن مدى مرن يختلف باختلاف العمر، أقلّ من ساعة يوميًا لأطفال ما قبل المدرسة، وساعة إلى ساعتين يوميًا أو أكثر لطلاب المدارس بحسب السياق. ويتقدّم على هذا المدى اعتباران، هما جودة ما يُشاهَد، وأولوية النوم واللعب والحركة والقراءة.
وبهذا انتقلت وحدة القياس من الساعة إلى بقيّة اليوم.

أسباب التخلّي عن الرقم

تقول إحدى معدّات البيان، الدكتورة ليبي ميلكوفيتش، إنّ التوصيات القديمة «صارت شبه مستحيلة» على الوالدين، وهي مصيبة في ذلك. فيوم صيغت قاعدة الساعتين كانت الشاشة جهازاً واحداً في الصالة، أمّا اليوم فهي في الفصل وفي المطعم وفي الطائرة وفي الواجب المدرسي نفسه.
ثمّ إنّ العدّاد لا يفرّق بين ساعة يقضيها الطفل في تطبيق تعليمي مع أخيه، وساعة يقضيها وحده في تصفّح لا ينتهي قبل النوم. فالرقم واحد والأثر مختلف تمام الاختلاف، وفي هذا وحده ما يكفي للتشكيك في صلاحيته مقياساً.
وثمّة سبب ثانٍ أقلّ تداولاً، وهو أنّ القاعدة الرقمية كانت تُحمّل الأسرة وحدها مسؤولية بيئة صمّمتها شركات تعيش من جذب الانتباه. ولذلك وجّه البيان الجديد شطراً كبيراً من مطالبه إلى المنصّات نفسها، فطالبها بخصوصية آمنة افتراضياً للقاصرين، وبحدود على جمع بياناتهم وعلى الإعلانات الموجّهة إليهم.

صورة الحال في بيوتنا

وفي دراسة سعودية نُشرت عام 2025 وشملت 324 طفلاً بين الثالثة والثامنة عشرة في المنطقة الشرقية، تبيّن أنّ 29 بالمئة منهم يتجاوزون خمس ساعات يومياً في أيام الدراسة، وأنّ النسبة ترتفع إلى 38 بالمئة في العطلات. أمّا الأطفال الذين تجاوزوا الخمس ساعات فقد سجّلوا درجات أعلى على مقياس “سناب-آي بي” لأعراض فرط الحركة وتشتّت الانتباه.
وقبل أن يُحمَّل هذا الكلام أكثر ممّا يحتمل، فالعلاقة هنا ارتباطية لا سببية، إذ لا نستطيع القول إنّ الشاشة سبّبت التشتّت، ومن الوارد تماماً أن يكون الطفل الأكثر تشتّتاً هو الأشدّ انجذاباً إليها من الأصل. غير أنّ في الأرقام تفصيلاً أهمّ يستحقّ الوقوف عنده، وهو أنّ الفوضى تقع في العطلة لا في أيام الدراسة، ممّا يدلّ على أنّ النقص واقع في الجدول لا في القيود.

خطة مكتوبة بدل العدّ

وأوّل ما يُقترح هو أبسطه، وهو أن تُكتب خطة بدلاً من أن تُقال قاعدة؛ فالقاعدة المنطوقة يُعاد التفاوض عليها كلّ مساء، أمّا الورقة المعلّقة على الثلاجة فلا تفاوض عليها. وتكفي صفحة واحدة تحدّد متى تُستخدم الأجهزة، وأين لا تُستخدم أبداً، ومتى ينتهي استخدامها ليلاً، وماذا يحدث عند التجاوز. ويُستحسن إشراك الابن في كتابتها، فالطفل الذي شارك في وضع القاعدة يجادل فيها أقلّ بكثير.
ثمّ يُستبدل بسؤال «كم ساعة؟» سؤال آخر، وهو: ما الذي يزاحمه هذا الوقت؟ فإن كان الابن ينام تسع ساعات، ويتحرّك، ويقرأ، ويجلس مع أهله على العشاء، فساعتان ونصف ليست مشكلة. وإن كان النوم هو الثمن، فساعة واحدة كثيرة.
وهناك ثلاث عادات صغيرة أثرها أكبر ممّا تبدو عليه. أولها أن يكون الجهاز مشتركاً في مكان مفتوح لا جهازاً شخصياً في غرفة مغلقة. وأن تكون الوجبات بلا أجهزة، للكبار قبل الصغار، فالطفل يقرأ استثناء والده إعلاناً بأنّ القاعدة قائمة على السلطة لا على الصحّة. وأن يجلس الوالد عشر دقائق أسبوعياً يشاهد مع ابنه أو ابنته ويسأله عن الشخصية التي يحبّها ولماذا. وهذه الدقائق العشر تخبره عن حياة ابنه الرقمية أكثر ممّا يخبره أيّ تقرير في الإعدادات.

لكلّ سنّ مدخلها

ففي الثالثة إلى الخامسة تكون المشاهدة المشتركة هي الأصل لا الاستثناء، وتكون الجلسات قصيرة متفرّقة، وتخلو الساعة التي تسبق النوم من الشاشة.
وفي السادسة إلى الثامنة تُبنى العادة التي ستحكم العقد التالي، والعناية هنا بالمكان والوقت أولى من العناية بالمدّة، فلا أجهزة في الغرفة، ولا أجهزة بعد ساعة معيّنة.
وفي التاسعة إلى الحادية عشرة يبدأ التفاوض وتقترب لحظة الهاتف الأوّل، ومن الحكمة أن ينتقل الحوار تدريجياً من «ممنوع» إلى «لماذا»، فالطفل الذي لم يفهم السبب سيلتفّ على القاعدة يوم يملك جهازه الخاصّ.

سؤال أخير يستحقّ الطرح

وفي البيان الجديد نقطة قلّما تُنقل في المحتوى العربي، وهي أنّ الاستخدام إذا بدأ يضرّ بالنوم أو الدراسة أو العلاقات، فالمطلوب تشديد القيود والسؤال عن الدوافع معاً. فالطفل الذي يهرب إلى الشاشة عشر ساعات كثيراً ما يهرب من ملل، أو عزلة، أو صعوبة تعلّم لم تُكتشف، أو قلق. ولهذا يوصي البيان بفحص احتمال فرط الحركة أو الاكتئاب في هذه الحالات، لا بمصادرة الجهاز وحده.
فالمصادرة تُنهي السلوك الظاهر وتُبقي سببه.
والبداية إذاً بورقة واحدة في هذا الأسبوع. فإذا فرغ الوالد منها فليتحوّل سؤاله من «كم ساعة؟» إلى: هل نام؟ وهل تحرّك؟ وهل جلسنا معاً؟

0
شارك المقال :
مقالات ذات صلة :
توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
الصور المفبركة والابتزاز الرقمي
الصور المفبركة والابتزاز الرقمي
المراهقون هم الفئة الأكثر شعوراً بالوحدة في العالم
المراهقون هم الفئة الأكثر شعوراً بالوحدة في العالم
علامات تدلّ على أنّ ابنك صار معتمداً على الذكاء الاصطناعي
علامات تدلّ على أنّ ابنك صار معتمداً على الذكاء الاصطناعي
المشكلة في التمرير لا في الشاشة
المشكلة في التمرير لا في الشاشة
لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
الهاتف الأوّل: الحادية عشرة هي الحافّة
الهاتف الأوّل: الحادية عشرة هي الحافّة
التربية اللطيفة بعد التصحيح
التربية اللطيفة بعد التصحيح
تنظيم المشاعر قبل التلقين
تنظيم المشاعر قبل التلقين
قبل أن تنشر صورته: كيف تتشكل هوية طفلك الرقمية
قبل أن تنشر صورته: كيف تتشكل هوية طفلك الرقمية
كيف تحسن الألعاب الذهنية انتباه طفلك؟
كيف تحسن الألعاب الذهنية انتباه طفلك؟
خطوات عملية لتعليم طفلك مهارات تكوين الصداقات
خطوات عملية لتعليم طفلك مهارات تكوين الصداقات
كيف تحوّل نوبة الغضب عند الأطفال إلى لحظة هدوء؟
كيف تحوّل نوبة الغضب عند الأطفال إلى لحظة هدوء؟
أفعالك هي مرآة بناء مستقبل طفلك
أفعالك هي مرآة بناء مستقبل طفلك