تسعة بالمئة فقط: كيف تبني بيتاً يقرأ قبل أن يدخل ابنك المدرسة
تصوّر بيتاً فيه طفل في الرابعة، وفيه ألعاب وجهاز لوحي وشاشة كبيرة، وأمّ تحدّثه طوال اليوم وتغنّي معه. بيت دافئ بكلّ المقاييس.
فكم كتاباً فيه؟
وهذا السؤال بعينه هو ما يجعل نشرة إحصاءات تنمية الطفولة المبكرة ورفاهية الطفل، الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء عام 2025، جديرة بالوقوف عندها، فقد اجتمع فيها رقمان يستحقّان أن يُقرآ جنباً إلى جنب.
أوّلهما مطمئنّ: 90 بالمئة من الأطفال بين 36 و59 شهراً يعيشون في بيئة تعلّم منزلية محفّزة، و82.4 بالمئة من الأطفال بين 24 و59 شهراً على المسار النمائي الصحيح وفق بعض المؤشّرات
وثانيهما أقلّ اطمئناناً بكثير: 9.2 بالمئة فقط من هؤلاء الأطفال لديهم ثلاثة كتب أطفال أو أكثر في البيت، و31 بالمئة لديهم كتاب واحد أو كتابان.
وليس بين الرقمين تناقض بالضرورة، غير أنّ التوتّر بينهما يطرح سؤالاً: ما الذي نعدّه تحفيزاً؟
ما يجعل هذه السنوات الثلاث فاصلة
بين الثالثة والخامسة يتّسع معجم الطفل بوتيرة لا تتكرّر في مرحلة لاحقة. والفارق بين طفل وآخر في هذه السنّ لا يظهر في القدرة على القراءة، إذ لا أحد منهما يقرأ بعد، وإنّما يظهر في عدد الكلمات التي سمعها في سياق ذي معنى.
ولهذا يتأخّر ظهور أثر البيت. ففي الصفّ الأوّل لا يبدو الفارق كبيراً، وفي الصفّ الرابع يصير هو الفرق بين طفل يفهم نصّ العلوم وطفل يفكّ حروفه دون أن يفهمه.
ويزيد هذا ثقلاً رقم ثالث في التقرير نفسه، وهو أنّ 17.3 بالمئة فقط من الأطفال بين 36 و59 شهراً ملتحقون ببرامج طفولة مبكرة، وأنّ النسبة ترتفع إلى 73 بالمئة في عمر الخامسة. ومعنى ذلك أنّ معظم أطفالنا يقضون السنوات السابقة للمدرسة في البيت لا في الروضة، فالبيت هو الفصل الدراسي في هذه المرحلة، شئنا أم أبينا.
الكتاب الذي لا يراه الطفل غير موجود
فالطفل في هذه السنّ لا يقرأ ما لا يقع بصره عليه، والكتاب في الرفّ العالي في غرفة الضيوف خارج عالمه تمام الخروج.
وعدد الكتب في متناول يده ليس زينة تربوية إذاً، وإنّما هو احتمال المصادفة: كم مرّة في اليوم يمكن أن تقع عينه على كتاب فيمدّ يده إليه من غير أن يطلب منه أحد ذلك.
ومن هنا كان إنزال الكتب إلى ارتفاعه أوّل خطوة، على رفّ منخفض أو في سلّة في زاوية الصالة. ولا يهمّ أن تكون مرتّبة، فالمعيار الوحيد أن يأخذ الطفل الكتاب دون أن يطلب المساعدة.
لغة القراءة في البيت
وهذا سؤال يخصّنا نحن ولا تجيب عنه الكتب المترجمة. والأفضل عملياً أن يُقرأ النصّ كما هو بفصحى ميسّرة، ثمّ يُشرح بالعامية عند الحاجة، من غير ترجمة الكتاب كلّه إلى اللهجة، ومن غير إصرار على فصحى ثقيلة يفقد معها الطفل الخيط. فأذن الطفل تحتاج أن تسمع الفصحى مبكراً لتألفها، وعقله يحتاج أن يفهم القصة، والجمع بينهما ممكن: الجملة بالفصحى، والتوضيح بلغة البيت.
القراءة حوار لا تلاوة
وهذه أهمّ عادة يمكن أن تُبنى في هذه السنّ. فلا تُقرأ الصفحة ثمّ تُقلب، وإنّما يتوقّف القارئ ليسأل: وماذا تتوقّع أن يحدث الآن؟ ولماذا غضب هذا؟ وهل رأيت شيئاً أحمر في الصورة؟ فالفرق بين الطريقتين هو الفرق بين طفل يستمع وطفل يفكّر.
وللطفل أن يعيد الكتاب نفسه عشرين مرّة، فالملل هنا ملل الكبير لا ملل الصغير. والتكرار في هذه السنّ آلية إتقان، إذ يلتقط الطفل في كلّ قراءة طبقة جديدة: الكلمة، ثمّ النغمة، ثمّ تفصيلاً في الصورة لم يره من قبل.
ثمّ إنّ ثلاثة كتب في البيت هدف قريب جداً متى لم يُشترط أن تكون مملوكة، فالمكتبات العامة والمدرسية والاشتراكات الرقمية كلّها تحقّق الغرض، والتنوّع هنا أهمّ من الملكية.
معايير اختيار الكتاب
وثمّة ثلاثة معايير سريعة تنفع والوالد واقف أمام الرفّ. أوّلها عدد الكلمات في الصفحة، للطفل في الثالثة سطر أو سطران، وفي الخامسة أربعة أو خمسة. وثانيها الصورة التي تحكي، فإن أمكن أن تُروى القصة من الصور وحدها فالكتاب مناسب لهذه السنّ. وثالثها الإيقاع، فالتكرار والقافية والجملة العائدة في كلّ صفحة ليست بدائية، بل هي ما يجعل الطفل يشارك في القراءة قبل أن يعرف الحروف.
حين يرفض الطفل
والرفض في هذه السنّ رفضٌ للجلسة في الغالب لا للكتاب. وقبل أن يُستنتج أنّ الابن «لا يحبّ القراءة» تُجرَّب ثلاثة تعديلات: أن يُقرأ له صفحتان ثمّ يُتوقَّف وهو في ذروة اهتمامه، وأن يُترك يقلّب الصفحات ولو بالترتيب الخطأ، وأن يجلس القارئ بجانبه لا في مواجهته.
ويُضاف إليها عامل رابع كثيراً ما يُغفل، وهو أن يقرأ الأب أيضاً. فالطفل الذي يرى القراءة نشاطاً نسائياً في البيت يستبعد نفسه منه مبكراً، والولد أكثر عرضة لذلك.
وقت القراءة
والوقت الذي ينجح هو الوقت الذي لا يحتاج قراراً. فإذا رُبطت القراءة بشيء يحدث كلّ يوم على أيّ حال، كأن تكون بعد تنظيف الأسنان أو قبل إطفاء النور مباشرة، صارت جزءاً من التسلسل لا بنداً إضافياً في يوم متعب.
وإن كان في البيت أكثر من طفل فلتكن القراءة لهم جميعاً ولو اختلفت أعمارهم، فالأصغر يلتقط الإيقاع، والأكبر يشرح لأخيه فيرسّخ فهمه هو.
تحذير أخير
وينبغي ألّا تتحوّل القراءة إلى واجب له جدول ومكافأة ونقاط. فالهدف في هذه المرحلة ليس أن يتعلّم الابن القراءة مبكراً، وإنّما أن يربط الكتاب بالدفء والقرب وصوت أبيه. فالطفل الذي أحبّ الكتاب سيتعلّم القراءة في وقته، والطفل الذي تعلّم القراءة مبكراً وكره الكتاب خسرنا معه أكثر ممّا ربحنا.
ولا يفصل بيتك عن الخروج من خانة الـ9.2 بالمئة سوى ثلاثة كتب.














