التربية اللطيفة بعد التصحيح

الحادية عشرة ليلاً. أمّ متعبة بعد يوم طويل تفتح هاتفها فيظهر لها مقطع قصير: إن رفعتِ صوتك على طفلك فأنتِ تؤذين دماغه.
فتغلق الهاتف وقد مسّها الذنب. وفي اليوم التالي تجتهد ألّا ترفع صوتها، فتتراكم عليها المواقف، ثمّ تنفجر في آخر الأسبوع انفجاراً أكبر ممّا كانت ستفعله لو تصرّفت من أوّل الأمر.
وهذه الدورة ليست خطأ الأمّ، وإنّما هي أثر مدرسة تربوية كاملة وصلتنا ناقصة.

ما وصلنا منها وما لم يصل

انتشرت في المحتوى العربي خلال السنوات الأخيرة مدرسة تُعرف بـ«التربية اللطيفة»، قوامها ألّا صراخ ولا عقاب، مع تحقّق دائم من مشاعر الطفل. ولا شكّ أنّها كانت تصحيحاً لازماً لأساليب أقدم قامت على الترهيب.
غير أنّ المحتوى العالمي أجرى على هذه المدرسة تصحيحاً ثانياً خلال العامين الماضيين، وهذا التصحيح هو الذي لم يصلنا.

ما صمد منها

أوّله الأسلوب الحازم الدافئ. فالخطّ البحثي الذي أسّسته ديانا باومريند ما زال أقوى ما لدينا، إذ إنّ الوالد الذي يجمع بين الاستجابة العالية، وهي الدفء والإصغاء، والمطالبة العالية، وهي التوقّعات الواضحة والحدود الثابتة، ينتج أفضل النتائج. وفي دراستها الشهيرة عام 1991 على المراهقين، كان أبناء هؤلاء الوالدين هم الأكثر كفاءة والأقلّ عرضة لتعاطي المخدّرات.
والعبرة في التركيبة نفسها: الدفء والمطالبة معاً، لا الدفء وحده ولا المطالبة وحدها.
وثانيه التدريب الوجداني، وهو أن تُعامَل مشاعر الطفل بوصفها فرصة للقرب والتعليم لا إزعاجاً يُسكَت، وهو مسنود ببحوث متينة تربطه بتنظيم انفعالي أفضل ومشكلات سلوكية أقلّ.

وما ثبت فشله

أوّلاً: الانزلاق إلى التساهل.
وهي الحال التي تختفي فيها الحدود تدريجياً باسم اللطف، فالوالد يفسّر ويشرح ويتفاوض، والقاعدة يُعاد صوغها في كلّ مرّة، وينتهي الأمر إلى أن يقرّر الطفل. والنتيجة على عكس المقصود: ضبط ذاتي أضعف، وقلق أعلى، وتحمّل أقلّ للإحباط.
والسبب معقول، فالطفل يستمدّ أمانه من كون الكبير ممسكاً بالدفّة، فإذا شعر أنّ الدفّة بيده هو خاف، وإن بدا عليه أنّه يتمتّع بذلك.
ويُعرف الانزلاق بثلاث علامات: أن يتحوّل كلّ طلب إلى مفاوضة، وأن يجد الوالد نفسه يشرح القاعدة نفسها للمرّة العاشرة في الأسبوع، وأن تكون نهاية معظم المواقف تنازلاً بعد إصرار طويل. وهذه الأخيرة أسوأها، لأنّها تعلّم الطفل أنّ الإصرار هو المفتاح.
ثانياً: احتراق الوالدين.
وهذا هو التصحيح الأهمّ، وهو غائب عن المحتوى العربي غياباً تامّاً.
فقد طوّرت الباحثتان إيزابيل روسكام وموارا ميكولايتشاك إطاراً نظرياً وسريرياً لاحتراق الوالدين يقوم على ميزان بين عوامل الخطر وعوامل الموارد. ومن عوامل الخطر التي يسمّيها الإطار صراحةً المعايير الوالدية المرتفعة والنزعة إلى الكمال الوالدي، إضافة إلى كثرة المطالب وضيق الوقت.
وفي دراسة لاحقة شملت 42 دولة، وجد الفريق أنّ الثقافات الفردية سجّلت انتشاراً ومستوى أعلى ملحوظاً لاحتراق الوالدين، وردّ الباحثون ذلك إلى القيم الثقافية التي ترفع سقف التوقّعات على الوالد.
والخلاصة تعود بنا إلى الأمّ في أوّل المقال: فالنموذج الذي يطالب الوالد بأن يكون هادئاً منظَّماً في كلّ لحظة، نموذج لا يقبل الاستمرار. والوالد المحترق ليس والداً لطيفاً، وإنّما هو والد غائب، أو والد ينفجر فجأة بعد أسابيع من الكبت.

اختبار واحد يفرّق بين اللطف والتساهل

فإذا التبست الحدود على الوالد فليسأل نفسه سؤالاً واحداً: هل تغيّر ما سيحدث، أم تغيّرت طريقتي في قوله؟
فاللطف يغيّر الطريقة، إذ يخفض الصوت، ويبقي الشرح، ويعترف بالمشاعر، وتبقى النتيجة على حالها. وأمّا التساهل فيغيّر النتيجة، إذ يبدأ الوالد بـ«لا» وينتهي إلى «هذه المرّة فقط».
فالأولى تربية، والثانية تعليم للطفل أنّ قرار أبيه مؤقّت وأنّ المسألة مسألة صبر.

البديل: التمزّق ثمّ الإصلاح

والمعيار الذي حلّ محلّ «الانسجام الدائم» هو التمزّق والإصلاح، إذ لا يُطلب من الوالد ألّا يخطئ، وإنّما يُطلب منه أن يُصلح بعد الخطأ.
فمن رفع صوته فليرجع بعد ساعة وليقل: كان صوتي عالياً وهذا خطأ منّي، والقاعدة على حالها لم تتغيّر.
وهذه الجملة تفعل أمرين معاً، فهي تُصلح العلاقة وتُبقي الحدّ. وهي بعينها ما يفتقده الأسلوبان المتقابلان، فالوالد الصارم يُبقي الحدّ ولا يُصلح، والوالد المتساهل يُصلح ويُسقط الحدّ.

ملاحظة تخصّنا: الأسرة الممتدّة

ففي بيوتنا لا يربّي الوالدان وحدهما، فالجدّ والجدّة والعمّ والخالة حاضرون، ولهم رأي يُقال أمام الطفل.
وفي هذا نفع وضرر معاً، فهو مورد حقيقي يخفّف الحمل الوالدي، وهو نفسه ما يجعل تعليقاً واحداً من قبيل «أنتم تدلّلونه» كفيلاً بأن يدفع الوالد إلى قسوة لا يؤمن بها.
والمخرج ليس المواجهة، وإنّما الاتّفاق المسبق على الحدود الخمسة الكبرى مع من يقضي وقتاً طويلاً مع الطفل، وترك ما عداها. فالطفل يتكيّف تمام التكيّف مع اختلاف الأساليب بين البيوت، وإنّما الذي لا يتكيّف معه أن يتناقض والداه أمامه.

أربع خطوات

١. اكتب حدودك الخمسة التي لا تقبل التفاوض، خمسة لا غير، وما عداها قابل للنقاش. فالوالد الذي يتفاوض على كلّ شيء يستنزف نفسه ويربك ابنه.
٢. افصل التحقّق من المشاعر عن الموافقة على السلوك، فقولك «أعرف أنّك غاضب» ليس قولك «تصرّفك مقبول». الأوّل واجب دائماً، والثاني مشروط.
٣. اسمح لنفسك بأن تكون كافياً لا مثالياً، فالطفل لا يحتاج والداً منظَّماً على الدوام، وإنّما يحتاج والداً يرجع ويصلح.
٤. راقب علامات الاحتراق في نفسك: الإرهاق الذي لا يزول بالنوم، والنفور العاطفي من دور الأبوّة، والشعور بأنّك لم تعد الوالد الذي كنته. فهذه علامات تستدعي دعماً حقيقياً، لا مزيداً من محتوى «كيف تكون أباً أفضل».
فالتربية اللطيفة لم تسقط إذاً، غير أنّها ليست كاملة كما وصلتنا. فخذ منها الدفء والتدريب الوجداني والإصلاح بعد الخطأ، واحتفظ بالحدود، واترك فكرة الوالد المثالي، فهي أكثر ما يُنهك الوالدين وأقلّ ما يفيد الأبناء.

0
شارك المقال :
مقالات ذات صلة :
توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
توجيه مهني حين يختفي السلّم الأوّل للوظائف
الصور المفبركة والابتزاز الرقمي
الصور المفبركة والابتزاز الرقمي
المراهقون هم الفئة الأكثر شعوراً بالوحدة في العالم
المراهقون هم الفئة الأكثر شعوراً بالوحدة في العالم
علامات تدلّ على أنّ ابنك صار معتمداً على الذكاء الاصطناعي
علامات تدلّ على أنّ ابنك صار معتمداً على الذكاء الاصطناعي
المشكلة في التمرير لا في الشاشة
المشكلة في التمرير لا في الشاشة
لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
الهاتف الأوّل: الحادية عشرة هي الحافّة
الهاتف الأوّل: الحادية عشرة هي الحافّة
تنظيم المشاعر قبل التلقين
تنظيم المشاعر قبل التلقين
قبل أن تنشر صورته: كيف تتشكل هوية طفلك الرقمية
قبل أن تنشر صورته: كيف تتشكل هوية طفلك الرقمية
قاعدة الساعتين لم تعد قائمة
قاعدة الساعتين لم تعد قائمة
كيف تحسن الألعاب الذهنية انتباه طفلك؟
كيف تحسن الألعاب الذهنية انتباه طفلك؟
خطوات عملية لتعليم طفلك مهارات تكوين الصداقات
خطوات عملية لتعليم طفلك مهارات تكوين الصداقات
كيف تحوّل نوبة الغضب عند الأطفال إلى لحظة هدوء؟
كيف تحوّل نوبة الغضب عند الأطفال إلى لحظة هدوء؟
أفعالك هي مرآة بناء مستقبل طفلك
أفعالك هي مرآة بناء مستقبل طفلك