«ابني هو المتنمِّر»: الدليل الذي لا يكتبه أحد
يأتي الاتّصال في منتصف النهار عادةً، بصوت هادئ من المدرسة وجملة مهذّبة: أودّ أن أحدّثك بشأن موقف وقع اليوم.
وفي طريق العودة إلى البيت يفكّر الوالد في عشرة أمور دفعة واحدة: أهذا حقيقي؟ ومن الذي روى القصة؟ وماذا سيقول الناس؟ وكيف أواجه ابني؟
وإن بحثتَ بالعربية عن «التنمّر المدرسي» وجدت عشرات المقالات، وهي مكتوبة كلّها تقريباً لوالد الضحية. غير أنّ في كلّ حادثة طرفين، ومعنى ذلك أنّ ثمّة أسرة أخرى تجلس تلك الليلة ولا تجد سطراً واحداً مكتوباً لها.
أوّلاً: اقرأ الأرقام بدقّة
فقد تناقلت الصحافة المحلّية أرقاماً نسبتها إلى الهيئة العامة للإحصاء، مفادها أنّ التنمّر المتكرّر في المدارس لم يتجاوز 2 بالمئة، وأنّ 81.80 بالمئة من الفئة 8–14 سنة و86.15 بالمئة من الفئة 15–19 لم يتعرّضوا لأيّ شكل من أشكال التنمّر خلال اثني عشر شهراً.
وقراءة هذه الأرقام تحتاج انتباهاً، فرقم 2 بالمئة يخصّ التنمّر المتكرّر وحده. وأمّا نسبة من تعرّضوا لأيّ تنمّر خلال العام فهي المتمّمة للرقم الثاني، أي قرابة 18 بالمئة في الفئة 8–14. والرقمان صحيحان معاً، غير أنّ الاكتفاء بأوّلهما يعطي انطباعاً بأنّ المشكلة هامشية، وهي ليست كذلك في هذه السنّ تحديداً.
ويُضاف إليهما رقم ثالث من دراسة سعودية نُشرت عام 2026 على مراهقين بين الحادية عشرة والسابعة عشرة: 43.4 بالمئة منهم لن يخبروا المدرسة إن تعرّضوا لتنمّر إلكتروني. ومعنى ذلك أنّ ما يصل إلى إدارة المدرسة أقلّ بكثير ممّا يقع فعلاً، وأنّ البلاغ حين يصل يكون الأمر قد تكرّر قبله مرّات.
الأخطاء الأربعة في الساعة الأولى
أوّلها الإنكار: ابني لا يفعل هذا، وهم الذين بدأوا. وهي ردّة فعل مفهومة، غير أنّها تُنهي التحقيق قبل أن يبدأ، وتضع المدرسة في خانة الخصم.
وثانيها الانفجار، فالعقاب الفوري القاسي يُنهي الحديث ويعلّم الطفل درساً واحداً، وهو ألّا يُكتشف مرّة أخرى، وذلك نقيض المقصود تماماً.
وثالثها التبرير: هذه طبيعة الأولاد في هذه السنّ. وهو صحيح في بعضه، غير أنّه يمنع الطفل من رؤية أثر فعله على شخص آخر، وهو بعينه ما نريده أن يراه.
ورابعها التعميم على الطفل: أنت ولد سيّئ. فالطفل الذي يُعرَّف بسلوكه يتبنّاه، والوصف يقع على الفعل دائماً، فيقال «هذا التصرّف مؤذٍ» لا «أنت مؤذٍ».
ولماذا يفعلها الأطفال أصلاً
ففي هذه السنّ تحديداً، قلّما يكون الدافع القسوة الخالصة.
فقد يكون الدافع المكانة، إذ تُبنى المجموعة في هذه السنّ بترتيب هرمي، والسخرية من أحدهم طريق سريع إلى الصعود. وقد يكون التقليد لسلوك يراه الطفل في البيت أو في محتوى يتابعه فيعيد إنتاجه من غير إدراك لأثره. وقد يكون ردّاً من طفل تعرّض هو نفسه للتنمّر في مكان آخر، وهذه حال شائعة تحتاج تعاملاً مختلفاً كلّ الاختلاف. وقد يكون ضعفاً في قراءة المشاعر، فلا يرى أثر كلامه في وجه الآخر ويحسبه مزاحاً.
ومعرفة الدافع ليست تبريراً، وإنّما هي ما يحدّد العلاج. فالطفل الباحث عن مكانة يحتاج طريقاً مشروعاً إليها، والطفل الذي كان ضحية يحتاج حمايةً هو أيضاً.
المحادثة الأولى
فلتبدأ بعد أن تهدأ لا في اللحظة نفسها، ولتكن قصيرة:
وصلني كلام من المدرسة، وأودّ أن أسمع منك أنت — والإصغاء أوّلاً وإلى آخر الكلام.
لا أريد أن أعرف من بدأ، أريد أن أعرف ما الذي حدث — وفي هذا قطع لطريق الجدل حول البداية.
هل تعرف بماذا شعر الطفل الآخر؟ — سؤال واحد، ثمّ انتظار الجواب مهما طال الصمت.
هذا التصرّف مؤذٍ، ولن يتكرّر — والحدّ واضح بلا صراخ.
والآن نتحدّث كيف نُصلح — وهو انتقال من المحاسبة إلى الإصلاح.
الإصلاح لا الاعتذار الشكلي
فالاعتذار المفروض أمام الجميع قلّما يُصلح شيئاً، وكثيراً ما يزيد إذلال الطرفين.
والإصلاح أنفع منه، وهو أن يفعل الابن شيئاً ملموساً يعوّض الضرر، فيعيد ما أتلف، أو يكتب اعتذاراً بخطّ يده يُسلَّم بلا جمهور، أو يلتزم سلوكاً محدّداً في الفسحة يتابعه المعلّم أسبوعين.
والمعيار في اختيار الإصلاح أن يكون مرتبطاً بالضرر، لا عقوبة عامة كالحرمان من اللعب أسبوعاً. فالعقوبة غير المرتبطة تُنسي الطفل الضحية وتشغله بظلمه هو.
وإذا كان التنمّر إلكترونياً
فيتغيّر أمران. أوّلهما أنّ الأثر لا ينتهي بانتهاء الدوام، فالرسالة تبقى وتُعاد ويقرؤها آخرون. وثانيهما أنّ الابن قد لا يرى ما فعله تنمّراً أصلاً، لأنّه لم يرَ وجه الطرف الآخر وهو يقرأ.
فليكن هذا محور الحديث: أن يُطلب منه أن يقرأ ما كتبه بصوت عالٍ أمام والده. فالجملة التي تُكتب بسهولة على الشاشة يصعب نطقها في وجه إنسان، وهذا الفارق بعينه هو ما يفسّر السلوك ويصلحه.
مع المدرسة: شريك لا خصم
فوزارة التعليم تعالج التنمّر ضمن قواعد السلوك والمواظبة، ولديها برنامج رفق الوقائي والعلاجي لخفض العنف المدرسي بأشكاله كلّها.
فاسأل الموجّه الطلّابي ثلاثة أسئلة محدّدة: ما الذي رُصد بالضبط؟ وهل هذه أوّل مرّة أم أنّ لها سابقة؟ وما الخطّة المتّفق عليها للأسابيع الأربعة القادمة؟
فالأسرة التي تدخل بهذه الأسئلة تنتقل من موقع المتّهم الذي يدافع إلى موقع الشريك الذي يعالج، وهذا وحده يغيّر مسار الحالة.
ومتى يُطلب دعم متخصّص
فإن تكرّر السلوك رغم التدخّل، أو صاحبته قسوة على الحيوانات أو الإخوة الأصغر، أو ظهر معه انسحاب أو حزن مستمرّ، أو تبيّن أنّ الابن نفسه يتعرّض للأذى في مكان آخر، فليست هذه مسألة تربية بيت وحدها. فتحدّث إلى الموجّه الطلّابي واطلب دعماً مختصّاً. وفي حالات الإيذاء داخل الأسرة أو خارجها، خطّ بلاغات العنف الأسري وحماية الطفل 1919 متاح على مدار الساعة.
والخبر الجيّد أنّ سلوك التنمّر في هذه السنّ قابل للتغيير إلى حدّ بعيد، بشرط أن يُواجَه مبكراً وبهدوء، ومن غير أن نخسر الطفل في الطريق.














