لماذا لا يخبرك أطفالك بما يواجهونه؟
في دراسة سعودية نُشرت عام 2026 على 302 مراهق بين الحادية عشرة والسابعة عشرة، سُئل المشاركون عمّا سيفعلونه لو تعرّضوا لتنمّر إلكتروني.
والنتائج تستحقّ أن تُقرأ على مهل. حيث 20.2 بالمئة لن يطلبوا المساعدة من أحد، و58.6 بالمئة يوافقون على أنّهم سيتجاهلون الأمر لا غير، و43.4 بالمئة لن يخبروا المدرسة، و15.6 بالمئة لم يتلقّوا تثقيفاً عن الأمان الرقمي، لا من البيت ولا من المدرسة.
وأمّا الرقم الذي يغيّر كلّ شيء فهو الأخير: 62.6 بالمئة سيطلبون المساعدة من الوالدين.
ومعنى ذلك أنّ أعلى نقطة رافعة في المنظومة كلّها ليست المدرسة ولا التطبيق ولا الحملة التوعوية، وإنّما أنت.
ولماذا يبلغ هذا كلّ هذه الأهمية
لأنّ ما لا يُقال لا يُعالَج.
ففي المسح الوطني السعودي للصحة النفسية، بلغ الانتشار لأيّ اضطراب نفسي بين الشباب 40.1 بالمئة، في حين أنّ 14.47 بالمئة فقط ممّن أصيبوا باضطراب تلقّوا أيّ علاج في حياتهم.
وهذه الفجوة لا تُفسَّر بنقص الخدمات وحده، فجزء كبير منها يبدأ في غرفة معيشة، في لحظة قرّر فيها ابن أو ابنة ألّا يقول شيئاً.
أربعة أسباب تمنعه من الكلام
أوّلها الخوف من المصادرة، فهو يعرف أنّ أوّل ردّ فعل قد يكون أخذ الهاتف كعقاب، فيحسبها على هذا النحو: أن يتحمّل الأذى صامتاً أهون من أن يخسر عالمه الاجتماعي كلّه.
وثانيها الخوف من ردّة فعل والده لا من المشكلة نفسها، فهو لا يخشى الموقف بقدر ما يخشى انفجار أبيه، أو اتّصاله بالمدرسة، أو مواجهته لأهل زميله.
وثالثها اعتقاده ألّا فائدة، فقد رصدت الدراسة أنّ نسبة معتبرة من المراهقين يرون أنّ الإبلاغ لن يغيّر شيئاً. والطفل الذي جرّب مرّة ولم يتغيّر شيء لن يجرّب ثانية.
ورابعها الخجل والشعور بالمسؤولية، فكثير من الأطفال يظنّون أنّ ما حدث خطؤهم، ولا سيّما إن كانوا قد خالفوا قاعدة قبله، فدخلوا تطبيقاً ممنوعاً، أو تحدّثوا مع شخص لا يعرفونه.
ستّة سلوكيات تجعل منك والداً قريبًا من أولاده
١. اجعل الجوال غير قابل للمصادرة عند الإبلاغ. قل هذه الجملة صراحةً قبل الحاجة إليها: إن أصابك شيء مزعج على الجوّال فتعال وأخبرني، ولن يُسحب الجوّال منك. ثمّ التزم بها حين يأتيك، فمخالفتها مرّة واحدة تكفي لإغلاق الباب سنوات.
٢. مارس المحادثات الصغيرة اليومية. فالطفل لا يفتح موضوعاً كبيراً مع والد لا يحدّثه في الصغائر. وعشر دقائق يومية في أمور لا قيمة لها هي البنية التحتية التي تُبنى عليها المحادثة الصعبة يوم تأتي.
٣. تحدّث جنباً إلى جنب لا وجهاً لوجه: في السيارة، أو أثناء المشي، أو وأنتما تعدّان شيئاً. فغياب التواصل البصري المباشر يخفّض التوتّر كثيراً، وهو ملحوظ مع الأولاد في هذه السنّ أكثر من غيرهم.
٤. لا تحوّل كلّ حكاية إلى درس. فإن كان كلّ ما يرويه ينتهي بموعظة فسيكفّ عن الرواية. وأنصت أحياناً بلا تعقيب، فهذا استثمار لا إهمال.
٥. تحدّث عن أخطائك أنت. فالوالد الذي يروي موقفاً أخطأ فيه يمنح ابنه إذناً ضمنياً بأنّ الخطأ ليس نهاية العالم.
٦. علّمه صراحةً، ولا تفترض أنّه يعرف ما يفعل، بل قل له نصّاً: إن ضايقك أحد فلا تردّ عليه، وخذ صورة للشاشة، وتعال إليّ. وقد وجدت الدراسة أنّ التثقيف من أكثر من مصدر، أي من البيت والمدرسة معاً، ارتبط بمقاومة أقلّ لطلب المساعدة.
الستّون ثانية الأولى
فحين يخبرك أخيراً، أنت أمام دقيقة واحدة تحدّد أيخبرك مرّة أخرى أم لا.
فقل: شكراً لأنّك أخبرتني. لم تفعل شيئاً خاطئاً. أنا معك وسنحلّها معاً. أتريدني أن أسمع فحسب، أم تريدني أن أفعل شيئاً؟
ولا تقل: لماذا لم تخبرني من قبل؟ قلت لك لا تدخل هذا التطبيق، سأذهب إلى المدرسة الآن، لا تعبأ به وتجاهله.
والجملة الأخيرة تبدو حكيمة، وهي في الحقيقة تعليم للطفل أنّ التجاهل هو الحلّ، وهو ما يقوله 58.6 بالمئة منهم أصلاً، وأحد أسباب بقاء المشكلة.
وماذا عن الأطفال الأصغر
بين التاسعة والحادية عشرة يختلف الأمر قليلاً. الطفل في هذه السنّ يخبر أكثر ممّا يخبر المراهق، غير أنّه يخبر بطريقة غير مباشرة، فيشتكي من ألم في البطن صباح المدرسة، أو يسأل سؤالاً افتراضياً عن «واحد في الفصل»، أو يرفض الذهاب من غير سبب واضح.
وليست هذه مراوغة، وإنّما هي شكل الإفصاح المتاح له. والردّ الصحيح ألّا يُلاحَق بالأسئلة المباشرة، وإنّما أن يُفتح له باب: وصاحبك هذا، بم تنصحه؟ فكثير من الأطفال يروون قصّتهم كاملة حين تُنسب إلى شخص آخر.
ومتى نخرج من دائرة البيت
فإن استمرّ الأمر أكثر من أسبوعين رغم تدخّلك، أو تغيّر نوم ابنك أو طعامه أو أداؤه الدراسي، أو انسحب من أنشطة كان يحبّها، أو ظهر في كلامه ما يوحي بيأس أو بإيذاء النفس، فالمسألة قد تجاوزت حدود التعامل الأسري. فتحدّث إلى الموجّه الطلّابي في المدرسة، واطلب دعماً مختصّاً.
وفي حالات الإيذاء أو الاستغلال، خطّ بلاغات العنف الأسري وحماية الطفل 1919 يعمل على مدار الساعة، ويغطّي إيذاء الأطفال داخل نطاق الأسرة وخارجه.
ولن تستطيع أن تحمي ابنك من كلّ ما سيمرّ به، غير أنّك تستطيع أن تكون أوّل من يخطر له حين يمرّ به شيء. وهذا الفرق يُبنى في الأيّام العادية لا في يوم الأزمة.














