التكلفة الخفية لضغوط العمل
فهم أثر ضغوط العمل على الموظفين والمنظمات
الملخص
يستعرض هذا التقرير، الصادر عن لبيه أعمال، التكلفة الخفية لضغوط العمل، ولماذا تستحق اهتمامًا أكبر بكثير من المؤسسات. فما تزال الضغوط من أكثر التحديات شيوعًا التي يواجهها الموظفون اليوم، ومع ذلك لا تزال تُعامَل في كثير من الأحيان بوصفها جزءًا طبيعيًا من الحياة المهنية، بدلًا من النظر إليها باعتبارها خطرًا تنظيميًا حقيقيًا. وتشير أحدث الأرقام إلى أن 41% من الموظفين عالميًا أفادوا بأنهم شعروا بقدر كبير من الضغط في اليوم السابق، وترتفع هذه النسبة إلى 52% في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حين أفاد 28% من الموظفين في السعودية بوجود ضغوط في بيئة العمل. وتوضح هذه الأرقام أن الضغوط ليست مشكلة محدودة أو معزولة، بل ظاهرة واسعة ومستمرة، وتمس مختلف القطاعات والأدوار الوظيفية.
وتتمثل إحدى الرسائل الأساسية في هذا التقرير في أن ضغوط العمل غالبًا ما تظل خفية إلى أن تصبح آثارها صعبة التجاهل. فقد يواصل الموظفون أداء مهامهم رغم معاناتهم الداخلية، وقد لا يلحظ المديرون المشكلة إلا عندما تظهر في صورة مواعيد نهائية غير مُنجزة، أو تراجع في الجودة، أو غياب، أو خلافات، أو ارتفاع في معدل دوران الموظفين. وبالنسبة للموظفين، قد تكون التكلفة نفسية وجسدية وعملية، فتؤثر في المزاج، والطاقة، والتركيز، والدافعية، والنوم، والصحة، والحياة خارج العمل. أما بالنسبة للمؤسسات، فتظهر هذه التكلفة في انخفاض الإنتاجية، والحضور الشكلي غير الفعّال، والغياب المرتبط بالضغط، وضعف الاحتفاظ بالموظفين، وتوتر ديناميكيات الفريق، وازدياد العبء على القيادات. ويؤكد التقرير أن هذه الآثار نادرًا ما تكون ناتجة عن ضعف فردي فقط، بل تنشأ في كثير من الحالات عن ظروف تنظيمية مثل عبء العمل المفرط، وغموض التوقعات، وضعف التواصل، ومحدودية الدعم الإداري، وانخفاض الاستقلالية، وانعدام الأمان الوظيفي، والعلاقات السامة في العمل، وثقافة العمل الدائم دون انقطاع.
ويرى التقرير أن خفض ضغوط العمل يتطلب استجابة تنظيمية، لا الاكتفاء بتقديم نصائح فردية للتكيف. وهو يدعو أصحاب العمل إلى تقييم مخاطر الضغط، وتحسين تصميم الوظائف، وتعزيز القيادة، وتهيئة مستوى أعلى من الأمان النفسي، وترسيخ ممارسات عمل أكثر صحة، وجعل خدمات الدعم أكثر سهولة في الوصول. ولدعم التحرك العملي، يطرح التقرير إطارًا بسيطًا يتمثل في: الوقاية، والملاحظة، والاستجابة. ويعني ذلك تقليل مسببات الضغط التي يمكن تجنبها قبل أن تتفاقم آثارها، ورصد العلامات التحذيرية مبكرًا، والاستجابة بطرق تدعم الموظفين وتعالج الأسباب الجذرية. وفي لبيه أعمال، نؤمن بأن التعامل الجاد مع ضغوط العمل ليس مجرد جانب من جوانب العناية بالموظفين، بل هو مسألة ترتبط بالأداء، والثقافة المؤسسية، وصحة المنظمة على المدى الطويل.
المقدمة
مع ما يتيحه شهر التوعية بالضغط النفسي من فرصة مهمة للتأمل، نرى في لبيه أعمال أن هذا التقرير يشكل مناسبة لتسليط الضوء على أحد أكثر التحديات انتشارًا وأقلها تقديرًا في بيئات العمل اليوم: الضغط النفسي الوظيفي. فعبر مختلف القطاعات والأدوار الوظيفية، ما تزال ضغوط العمل تؤثر في عافية الموظفين، وطاقتهم، وتركيزهم، وشعورهم بالتوازن، ومع ذلك لا تزال تُعامل في كثير من الأحيان بوصفها جزءًا طبيعيًا من الحياة المهنية، لا قضية تنظيمية جدية تستحق الانتباه. ومن الصعب تجاهل حجم هذه المشكلة. فبحسب منظمة الصحة العالمية، تؤدي حالات الاكتئاب والقلق إلى فقدان نحو 12 مليار يوم عمل سنويًا على مستوى العالم، بما يكلّف الاقتصاد العالمي ما يُقدّر بنحو تريليون دولار أمريكي من الإنتاجية المفقودة. كما تُظهر بيانات حديثة أن 41% من الموظفين عالميًا أفادوا بأنهم شعروا بقدر كبير من الضغط في اليوم السابق، وفقًا لـ Gallup. وترتفع هذه النسبة إلى 52% في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما يعكس مدى شيوع الضغط في المنطقة. أما في السعودية، فقد أفادت Gallup بأن 28% من الموظفين يواجهون ضغطًا في بيئة العمل، أي ما يزيد على موظف واحد من كل أربعة.
ومن منظورنا في لبيه أعمال، فإن إحدى أكبر مشكلات ضغوط العمل تتمثل في أن تكلفتها لا تكون ظاهرة دائمًا منذ البداية. فقد تلاحظ المؤسسات التعب، وانخفاض المعنويات، وضعف الاندماج، وتكرار الأخطاء، وارتفاع الغياب، أو ازدياد معدل دوران الموظفين، من دون الربط المباشر بين هذه المؤشرات وبين الضغط. وهذا جزء مما يجعل الضغط شديد الأثر، إذ غالبًا ما تُشعَر نتائجه قبل أن يُسمّى بوضوح. وفي المملكة المتحدة، تُظهر الأرقام الرسمية أن 964 ألف عامل كانوا يعانون من ضغوط مرتبطة بالعمل أو الاكتئاب أو القلق خلال 2024/2025، مع فقدان 22.1 مليون يوم عمل نتيجة هذه الحالات.
أما الأثر المالي فهو لا يقل خطورة. فنتائج Gallup الحديثة تشير إلى أن ضغط الموظفين ما يزال أعلى من مستويات ما قبل الجائحة على مستوى العالم، في وقت يواصل فيه ضعف الاندماج التأثير سلبًا في الأداء والإنتاجية. وتقدّر Gallup أن انخفاض اندماج الموظفين كلّف الاقتصاد العالمي 10 تريليونات دولار أمريكي في عام 2025، أي ما يعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي أوروبا، أظهرت تقارير حديثة استنادًا إلى أبحاث المعهد الأوروبي للنقابات العمالية أن الاكتئاب المرتبط بالعمل يكلّف الاتحاد الأوروبي أكثر من 100 مليار يورو سنويًا.
وفي لبيه أعمال، نرى أن هذه الأرقام تقود إلى حقيقة واضحة: ضغوط العمل ليست قضية شخصية تخص الموظفين وحدهم، وليست أثرًا جانبيًا بسيطًا للعمل المرهق. إنها قضية ترتبط بالأعمال، والقيادة، والثقافة المؤسسية، ولها نتائج حقيقية تمس الأفراد والأداء معًا. ومن خلال هذا التقرير، نسعى إلى استعراض التكلفة الخفية لضغوط العمل، وإبراز أثرها في الموظفين والمؤسسات على حد سواء، وطرح خطوات عملية يمكن أن تسهم في بناء بيئات عمل أكثر صحة واستدامة.
ماذا نعني بضغوط العمل؟
في لبيه أعمال، نستخدم مصطلح ضغوط العمل للإشارة إلى العبء الجسدي والانفعالي والذهني الذي قد ينشأ عندما تبدأ متطلبات الوظيفة في تجاوز قدرة الفرد، أو موارده، أو شعوره بالتحكم. وقد تنتج هذه الضغوط عن عبء عمل مرتفع، أو توقعات غير واضحة، أو مواعيد نهائية ضيقة، أو ضعف في التواصل، أو محدودية الدعم، أو استمرار الضغط مع قلة فرص التعافي. ومن هذا المنطلق، فإن ضغوط العمل لا تعني مجرد الانشغال، بل تعني أن يصبح الضغط صعب الإدارة بطريقة صحية ومستدامة.
ومن المفيد التمييز بين الضغط القابل للإدارة والضغط الضار. فقدر معين من الضغط قد يساعد الأفراد على البقاء في حالة يقظة وتركيز ودافعية، لا سيما خلال المهام المهمة أو الفترات المزدحمة. أما الضغط الضار فيبدأ عندما يصبح الضغط متكررًا أكثر من اللازم، أو شديدًا أكثر من اللازم، أو ممتدًا لفترة أطول مما ينبغي، من دون أن يحدث التعافي بالشكل الكافي. وعند هذه النقطة، قد يبدأ الضغط في التأثير في التركيز، والمزاج، والنوم، والطاقة، واتخاذ القرار، والأداء اليومي. وما قد يبدأ كفترة قصيرة من الإجهاد يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى نمط يؤثر في العافية ونتائج العمل معًا.
وتصبح ضغوط العمل مزمنة عندما لا تعود مرتبطة بتحدٍّ مؤقت، بل تتحول إلى حالة مستمرة. ويحدث ذلك غالبًا عندما تستمر المتطلبات المسببة للضغط مع غياب الدعم الكافي، أو الوضوح، أو الراحة، أو التغيير العملي. وقد تظهر الضغوط المزمنة في صورة تعب مستمر، أو سرعة انفعال، أو إنهاك عاطفي، أو صعوبة في الانفصال عن العمل بعد انتهائه، أو انخفاض في الدافعية، أو شعور متزايد بالاستنزاف. وغالبًا ما تتراكم آثارها تدريجيًا، وهذا أحد الأسباب التي قد تجعل المؤسسات لا تلتفت إلى المشكلة إلا بعد أن تبدأ بالفعل في التأثير في المعنويات أو الإنتاجية أو الاحتفاظ بالموظفين.
ومن المهم كذلك التمييز بين الضغط والاحتراق الوظيفي. فرغم الارتباط الوثيق بينهما، فهما ليسا شيئًا واحدًا. فالضغط يشير عادة إلى حالة من الشد أو الإجهاد قد تكون مؤقتة أو مستمرة. أما الاحتراق الوظيفي فهو حالة أشد وأكثر امتدادًا قد تتطور عندما تُترك ضغوط العمل المزمنة من دون معالجة. ويرتبط غالبًا بإنهاك عميق، وتباعد نفسي عن العمل، ونظرة سلبية أو متبلدة تجاهه، وتراجع في الفاعلية المهنية. وبصياغة أبسط، قد يكون الضغط علامة إنذار مبكر، وقد يأتي الاحتراق الوظيفي لاحقًا عندما يستمر تجاهل هذه العلامة لفترة طويلة. وفي هذا التقرير، يظل تركيزنا منصبًا على ضغوط العمل نفسها، وتكلفتها الخفية، والخطوات العملية التي يمكن للمؤسسات اتخاذها قبل أن تتطور هذه الحالة إلى ما هو أكثر خطورة.
لماذا كثيرًا ما تمر ضغوط العمل دون ملاحظة؟
نرى أن ضغوط العمل كثيرًا ما تمر دون ملاحظة، جزئيًا، لأنها تُطبَّع بسهولة. ففي كثير من بيئات العمل، يُنظر إلى الشعور بالإرهاق، أو الاستنزاف الذهني، أو التعرض المستمر للضغط، بوصفه جزءًا متوقعًا من الحياة المهنية. ومع الوقت، قد تصبح ساعات العمل الطويلة، وكثافة المتطلبات، والإحساس الدائم بالعجلة أمورًا مألوفة إلى درجة أنها لا تعود تُرى كعلامات تحذير. وهذا قد يخلق ثقافة تتسامح مع الضغط بدلًا من التعامل معه، حتى حين يكون قد بدأ بالفعل في التأثير في عافية الموظفين وأدائهم.
وثمة سبب آخر يجعل الضغط يُغفَل كثيرًا، وهو أن الموظفين لا يتوقفون دائمًا عن أداء مهامهم حين يكونون في حالة معاناة. فكثيرون يواصلون الالتزام بالمواعيد النهائية، وحضور الاجتماعات، وأداء مسؤولياتهم، حتى مع بدء تراجع طاقتهم، وتركيزهم، وقدرتهم النفسية على الاستمرار. ومن الخارج، قد يبدون منتجين وملتزمين. أما داخليًا، فقد يكونون يواجهون تعبًا، وإحباطًا، وصعوبة في التركيز، وشعورًا متزايدًا بالاستنزاف. وهذا ما يجعل اكتشاف الضغط في مراحله المبكرة أكثر صعوبة، رغم أن هذه المرحلة هي الأكثر احتياجًا إلى الدعم.
وفي كثير من الحالات، لا يبدأ المديرون في ملاحظة الضغط إلا عندما يصبح مرئيًا من خلال نتائجه. فقد يكون تراجع الأداء، أو تفويت المواعيد النهائية، أو تكرار الأخطاء، أو زيادة الغياب، أو التوتر داخل الفريق، أول ما يلفت الانتباه. وعند هذه النقطة، تكون المشكلة قد تراكمت غالبًا منذ فترة. وهذا جزء مما يجعل ضغوط العمل مكلفة إلى هذا الحد، إذ إن جانبًا كبيرًا من أثرها يظل خفيًا إلى أن يصبح واضحًا بما يكفي ليؤثر في المخرجات، أو المعنويات، أو الاحتفاظ بالموظفين.
وقد تمر ضغوط العمل دون ملاحظة لسبب آخر، وهو أن بعض علاماتها تُفسَّر بشكل خاطئ. فالموظف الذي يبدو منسحبًا قد يُنظر إليه على أنه غير مندمج، ومن يبدو سريع الانفعال قد يُوصَف بأنه صعب التعامل، وقد يُفسَّر انخفاض الحماس على أنه ضعف في الدافعية، كما قد تُفهم الاستجابات الأبطأ على أنها قلة التزام. وعندما يُساء فهم الضغط بهذه الطريقة، قد يتعرض الأفراد للانتقاد بسبب أعراض المعاناة بدلًا من دعمهم خلالها. أما بالنسبة للمؤسسات، فهذا يعني ضياع فرص مهمة للتدخل المبكر، وتقليل الضرر، وحماية عافية الموظفين والأداء العام في الوقت نفسه.
التكلفة الخفية على الموظفين
في لبيه أعمال، نرى أن من أبرز تكاليف ضغوط العمل أثرها في الموظف بوصفه إنسانًا قبل أي شيء آخر. فقبل أن تظهر الضغوط في صورة غياب، أو ارتفاع في معدل دوران الموظفين، أو انخفاض في الإنتاجية، فإنها كثيرًا ما تُشعَر بطرق أكثر هدوءًا وأكثر خصوصية. فهي قد تؤثر في طريقة تفكير الأفراد، وشعورهم، وأدائهم، وقدرتهم على التعافي يومًا بعد يوم. وبالنسبة لكثير من الموظفين، لا تقتصر تكلفة الضغط على لحظات التوتر داخل العمل، بل تمتد لتشكّل التجربة المهنية كاملة، وتؤثر تدريجيًا في الحياة خارج مكان العمل.
العبء النفسي والانفعالي
من أولى آثار ضغوط العمل ما يظهر في الجانب النفسي والانفعالي. فالموظفون الذين يعملون تحت ضغط مستمر قد يصبحون أكثر سرعة في الانفعال، وأكثر عرضة للإحباط، أو أكثر تأثرًا انفعاليًا من المعتاد. وقد يلازمهم شعور دائم بالقلق حيال المواعيد النهائية، أو التوقعات، أو المهام غير المكتملة. وبالنسبة لبعضهم، يخلق الضغط إحساسًا مستمرًا بالاستغراق الكامل، وكأن متطلبات العمل تسبق دائمًا قدرتهم على التعامل معها.
ومع الوقت، قد يتسع هذا الأثر ليشمل المزاج بشكل عام. فقد يشعر الموظفون باستنزاف ذهني، أو فتور، أو إنهاك انفعالي، حتى وهم يواصلون أداء مسؤولياتهم. وتكمن الصعوبة هنا في أن هذا العبء لا يكون مرئيًا دائمًا للآخرين. فقد يبدو الشخص متماسكًا وقادرًا على أداء مهامه، في حين يبذل داخليًا جهدًا كبيرًا لمجرد الاستمرار خلال اليوم.
الآثار الجسدية
لا تقتصر التكلفة الخفية للضغط على الجانب النفسي، بل تمتد إلى الجسد بطرق مباشرة وملحوظة. فكثير من الموظفين الذين يعانون من الضغط يشتكون من مشكلات في النوم، سواء من خلال صعوبة الخلود إليه، أو الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل، أو الشعور بعدم الراحة حتى بعد النوم. كما تُعد الصداع، والتعب، وتشنج العضلات من العلامات الجسدية الشائعة التي تشير إلى أن الضغط لم يعد مجرد حالة ذهنية.
وعندما يستمر الضغط لفترة طويلة، قد تصبح آثاره الجسدية جزءًا من الروتين اليومي للموظف. فالإرهاق المستمر قد يقلل من الطاقة اللازمة للعمل وللحياة خارج العمل، والتوتر الجسدي المتواصل قد يجعل الراحة غير مكتملة. وبهذه الطريقة، يمكن للضغط أن يضعف تدريجيًا الإحساس العام بالصحة والقدرة على التعافي، حتى لو لم يُنتبه إلى سببه بشكل مباشر.
الأثر في تجربة العمل
يمكن لضغوط العمل أن تغيّر طريقة عيش الموظفين لتجربتهم المهنية يومًا بعد يوم. فالمهام التي كانت تبدو قابلة للإدارة قد تبدأ في الظهور على أنها أثقل وأكثر صعوبة في الإنجاز. وقد يضعف التركيز، ويصبح اتخاذ القرار أبطأ، ويجد الموظفون صعوبة أكبر في البقاء مندمجين في عملهم. وفي بعض الحالات، قد يبدأون في الشعور بأن سيطرتهم على مسؤولياتهم، أو أولوياتهم، أو وتيرة عملهم قد تراجعت.
وهذا بدوره قد يؤدي تدريجيًا إلى انخفاض الرضا الوظيفي وضعف الدافعية. فقد يظل الموظفون حاضرين وفاعلين، لكنهم يشعرون باتصال أقل بأدوارهم، واهتمام أقل بمهامهم، وثقة أقل بقدرتهم على الأداء الجيد. ومع مرور الوقت، قد يتحول العمل من مصدر للمعنى أو الإنجاز إلى مصدر دائم للضغط، بما يؤثر في العافية والأداء معًا.
الأثر خارج العمل
نادراً ما تنتهي تكلفة ضغوط العمل بانتهاء يوم العمل. ومن أكثر آثارها إنسانيةً امتدادها إلى الحياة الشخصية. فالموظفون الذين يستنزفهم العمل ذهنيًا وجسديًا قد تصبح لديهم طاقة أقل للأسرة، والأصدقاء، والراحة، والتعافي الحقيقي. وقد يظلون منشغلين ذهنيًا بالعمل بعد ساعات الدوام، أو يجدون صعوبة في الانفصال عنه، أو ينقلون توتره معهم إلى المنزل.
وهذا الامتداد مهم، لأن الضغط حين يضعف قدرة الشخص على التعافي السليم، فإن يوم العمل التالي يبدأ غالبًا بطاقة أقل ومرونة أقل من اليوم الذي سبقه. ومع الوقت، قد تتكوّن دائرة تؤثر فيها ضغوط العمل في العافية الشخصية، ويجعل فيها ضعف التعافي العمل أكثر صعوبة في التحمل. وهذا جزء من سبب أهمية التكلفة الخفية للضغط، فهي لا تؤثر فقط في ما يفعله الموظفون داخل العمل، بل في الطريقة التي يعيشون بها، ويشعرون، ويؤدون بها وظائفهم على نطاق أوسع.
التكلفة الخفية على المؤسسات
انخفاض الإنتاجية
من أوضح الآثار المؤسسية لضغوط العمل انخفاض الإنتاجية. فالموظفون الذين يعملون تحت ضغط قد يستغرقون وقتًا أطول لإنجاز المهام، ويجدون صعوبة أكبر في التركيز، ويرتكبون أخطاء أكثر، أو يقدمون عملًا بجودة أقل. وقد لا تبدو هذه الخسائر كبيرة في لحظتها، لكنها تتراكم عبر الفرق ومع مرور الوقت. وتشير أحدث تقارير Gallup العالمية حول بيئة العمل إلى أن التكلفة الإجمالية لضعف الاندماج بلغت 10 تريليونات دولار أمريكي من الإنتاجية المفقودة، بما يعكس مدى قوة العلاقة بين تجربة الموظف وأداء الأعمال.
الحضور الشكلي غير الفعّال
يُعد الحضور الشكلي غير الفعّال من أقل آثار ضغوط العمل وضوحًا، وأكثرها كلفة في الوقت نفسه. فقد يستمر الموظفون في الحضور إلى العمل، وحضور الاجتماعات، والبقاء نشطين ظاهريًا، لكنهم لا يعملون بكامل طاقتهم أو فاعليتهم. وهذا يعني أن المؤسسات تتحمل كلفة تراجع الأداء من دون أن ترى الإشارة الأوضح التي يقدمها الغياب. وقدّرت Deloitte في تحليلها الصادر في المملكة المتحدة لعام 2024 أن سوء الصحة النفسية يكلّف أصحاب العمل 51 مليار جنيه إسترليني سنويًا، وكان الحضور الشكلي غير الفعّال وحده مسؤولًا عن نحو 24 مليار جنيه إسترليني، ليكون بذلك أكبر مكوّن منفرد لهذه التكلفة.
الغياب والإجازات المرضية
قد ينتقل الضغط من عبء خفي إلى غياب ظاهر عندما يصل الموظفون إلى مرحلة يصبح فيها الاستمرار صعبًا. وقد أظهرت بيانات مقارنة حديثة صادرة عن CIPD في المملكة المتحدة أن متوسط غياب الموظف بلغ 9.4 أيام سنويًا في عام 2025، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. وفي التقرير نفسه، أفادت 64% من المؤسسات بأنها شهدت حالات غياب مرتبطة بالضغط خلال العام الماضي. وتبرز أهمية ذلك في أثره في استمرارية العمل، وجودة الخدمة، وتوزيع الأعباء، إذ إن غياب الموظف نادرًا ما يقتصر أثره عليه وحده.
مشاكل دوران الموظفين والاحتفاظ بهم
يمكن للضغط أن يدفع الموظفين تدريجيًا إلى الانفصال عن المؤسسة قبل أن يغادروها رسميًا. فمع الوقت، قد تُضعف بيئات العمل المجهِدة الالتزام، وتقلل الارتباط بالمؤسسة، وتجعل الفرص الأخرى أكثر جاذبية. كما أن استبدال الموظفين مكلف بصورة مباشرة وغير مباشرة. وتشير SHRM إلى أن تكلفة استبدال الموظف قد تتراوح بين 50% و200% من راتبه السنوي، بحسب مستوى الوظيفة.
الأثر في الفريق والثقافة المؤسسية
لا تبقى ضغوط العمل محصورة داخل الأفراد، بل تمتد إلى العلاقات، والتواصل، والمعنويات، والثقة داخل الفريق. فالموظفون الذين يعملون تحت ضغط قد يصبحون أقل صبرًا، وأضعف تعاونًا، وأقل قدرة على التعامل البنّاء مع التوتر. وقد وجد مؤشر العمل الجيد 2024 الصادر عن CIPD أن ربع الموظفين في المملكة المتحدة، أي ما يُقدَّر بنحو 8 ملايين شخص، مرّوا بصراعات في مكان العمل خلال العام الماضي. كما أظهر التقرير نفسه أن من تعرضوا لصراعات في العمل كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن عبء عمل مفرط، وضغط، وإنهاك، وآثار سلبية في صحتهم النفسية والجسدية، وكانوا أكثر بمرتين في احتمال قولهم إنهم قد يتركون وظائفهم.
ما الذي يسبب ضغوط العمل؟
نرى أن ضغوط العمل تتشكل في كثير من الأحيان بفعل بيئة العمل نفسها، لا فقط بقدرة الفرد على التكيف. فالضغط لا يظهر عادة بشكل منفصل، بل ينمو في كثير من الحالات من خلال الطريقة التي يُصمَّم بها العمل، ويُدار، ويُتواصل بشأنه، ويُعاش يوميًا. ولهذا، تحتاج المؤسسات إلى النظر إلى ما هو أبعد من الصمود الفردي، وأن تفحص الظروف التي قد تكون تولّد الضغط من الأساس.
وفيما يلي ثمانية أسباب تنظيمية شائعة لضغوط العمل. وغالبًا ما تتداخل هذه العوامل، ويشتد أثرها حين تجتمع عدة عوامل منها في الوقت نفسه.
عبء العمل وضيق الوقت
يزداد الضغط عندما يُتوقع من الموظفين إنجاز قدر كبير من العمل في وقت غير كافٍ.
غموض الدور وعدم وضوح التوقعات
يتفاقم الضغط عندما لا يكون الموظفون على بيّنة من مسؤولياتهم، أو أولوياتهم، أو ما هو متوقع منهم.
ضعف التواصل
يمكن أن يؤدي التواصل الناقص أو غير المتسق أو غير الواضح إلى خلق الارتباك والإحباط وضغط لا داعي له.
نقص الدعم من المديرين
يصبح الموظفون أكثر عرضة للضغط حين لا يحصلون على التوجيه أو التفهم أو الدعم العملي الكافي من مديريهم.
انخفاض التحكم أو الاستقلالية
يزداد احتمال الضغط عندما تكون المتطلبات مرتفعة، في مقابل قدرة محدودة على التحكم في كيفية إنجاز العمل.
انعدام الأمان الوظيفي
يمكن أن يؤدي عدم اليقين بشأن الوظيفة، أو العقود، أو الاستقرار المستقبلي إلى شعور مستمر بالقلق والتوتر.
العلاقات السامة في العمل
قد تجعل الخلافات، أو عدم الاحترام، أو الإقصاء، أو ثقافة اللوم، بيئة العمل مرهقة نفسيًا.
ثقافة التواجد الدائم
قد تؤدي ثقافة التوفر المستمر إلى تقليل فرص التعافي، وجعل الضغط يبدو وكأنه حالة متواصلة.
ما الذي يمكن للمؤسسات فعله؟
في لبيه أعمال، نرى أن الحد من ضغوط العمل يتطلب تحركًا على مستوى المؤسسة، لا الاكتفاء بتقديم نصائح فردية للموظفين حول كيفية التكيف. وأكثر الاستجابات فاعلية هي تلك التي ترصد الضغط مبكرًا، وتعالج أسبابه، وتُهيئ ظروف عمل أكثر صحة واستدامة.
تقييم مخاطر الضغط
يمكن للمؤسسات أن تبدأ بتحديد المواضع التي يظهر فيها الضغط من خلال الاستبيانات، والقياسات السريعة، وجلسات الاستماع، وملاحظات المديرين.
تحسين تصميم العمل
يمكن الحد من الضغط عبر وضع أعباء عمل أكثر واقعية، وتوضيح الأدوار، ومساعدة الفرق على ترتيب الأولويات بصورة أفضل.
بناء قيادة داعمة
ينبغي تهيئة المديرين لرصد علامات الإجهاد، وإجراء متابعات منتظمة، والتواصل بتفهم ووضوح.
تعزيز الأمان النفسي
يجب أن يشعر الموظفون بالأمان عند الحديث عن الضغط، وطلب المساعدة، وطرح المخاوف من دون خوف من الحكم عليهم أو التعرض لعواقب سلبية.
ترسيخ ممارسات عمل صحية
يمكن للمؤسسات تقليل الضغط غير الضروري عبر وضع حدود أوضح بعد ساعات العمل، وتحسين أساليب إدارة الاجتماعات، وتشجيع الاستخدام السليم للإجازات.
إتاحة الوصول إلى الدعم
ينبغي أن تتوفر للموظفين خدمات الإرشاد، وموارد العافية، ومسارات الإحالة، وخدمات الدعم المبكر عندما يبدأ الضغط في التصاعد.
إطار عمل بسيط للتحرك
الوقاية
تتمثل الخطوة الأولى في تقليل مصادر الضغط التي يمكن تجنبها داخل النظام نفسه. ويشمل ذلك مراجعة أعباء العمل، وتحسين وضوح الأدوار، وتعزيز التواصل، ووضع ممارسات عمل أكثر صحة، والتأكد من حصول الموظفين على الدعم والموارد التي يحتاجونها للعمل بصورة مستدامة.
الملاحظة
تحتاج المؤسسات إلى رصد علامات الضغط مبكرًا قبل أن تتحول إلى مشكلات أكبر. ويعني ذلك الانتباه إلى مؤشرات مثل التعب، وضعف الاندماج، وتكرار الأخطاء، والتوتر داخل الفرق، وارتفاع الغياب، أو تغير المعنويات، والتعامل مع هذه الإشارات بجدية.
الاستجابة
عندما يكون الضغط قد بدأ بالفعل في التأثير في الموظفين، ينبغي أن تجمع الاستجابة بين دعم الفرد ومعالجة السبب الجذري. وقد يشمل ذلك حوارات مع المديرين، أو تعديلات مؤقتة في عبء العمل، أو إتاحة الوصول إلى خدمات الدعم، أو إدخال تغييرات على ممارسات الفريق التي تسهم في توليد الضغط.
المراجع
https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/mental-health-at-work
https://www.hse.gov.uk/statistics/overview.htm
https://www.hse.gov.uk/statistics/dayslost.htm
https://www.gallup.com/workplace/349484/state-of-the-global-workplace.aspx
https://www.cipd.org/uk/knowledge/reports/health-well-being-work/
https://www.shrm.org/executive-network/insights/myth-replaceability-preparing-loss-key-employees
بعض نتائج التقرير :
- 52%52 بالمئة من الموظفين في منطقة الشرق الأوسط أفادوا بأنهم شعروا بقدر كبير من الضغط في اليوم السابق من العمل
- 64%أفادت 64 بالمئة من المنظمات في بريطانيا بأنها شهدت حالات غياب مرتبطة بالضغط خلال العام الماضي