الدافعية في العمل: إعادة التفكير فيما يُحرّك الموظفين

قراءة في العوامل التي تعزز التزام الموظفين وجهدهم اليومي

الملخص

لم تعد الدافعية في بيئة العمل مسألة ثانوية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا يشكل الأداء، والرفاه، والاستبقاء، والثقافة التنظيمية. يجمع هذا التقرير بين أحدث التوجهات الفكرية، وأمثلة عملية، وبيانات عالمية وإقليمية لتقديم صورة متكاملة عمّا يحفز الموظفين، وكيف يمكن الحفاظ على هذا التحفيز.

تُظهر المؤشرات العالمية أن معدلات الانخراط الوظيفي لا تزال منخفضة، إذ لا تتجاوز نسبة الموظفين الذين يشعرون بدافعية حقيقية في عملهم 15٪ إلى 23٪. ورغم أن الحوافز التقليدية مثل الراتب لا تزال مهمة، إلا أن تطلعات الموظفين تغيّرت لتشمل: الغرض من العمل، والاستقلالية، والمرونة، والتقدير، والسلامة النفسية. في المقابل، صعّبت الضغوط الخارجية – مثل العمل عن بُعد، والأزمات الاقتصادية، وانتشار ثقافة الإرهاق – من القدرة على الحفاظ على دافعية مستمرة.

يستعرض التقرير عشرة عوامل رئيسية تؤثر على الدافعية، بدءًا من العمل ذو المعنى، وفرص التطور، وصولًا إلى القيادة العادلة، وتوضيح الأدوار. كما يسلط الضوء على كيف تختلف الدافعية حسب نوع الوظيفة، وعلاقتها بالرفاه النفسي، وما الذي يحدث عندما يتم تجاهلها – من انخفاض الأداء، وارتفاع معدل الاستقالات، إلى تآكل الثقافة المؤسسية.

الاستثمار في الدافعية يحقق عائدات ملموسة. فضعف الدافعية يكلف الاقتصاد العالمي قرابة 8.8 تريليون دولار سنويًا، بينما يُقدَّر فقدان الإنتاجية بسبب “الحضور غير الفعّال” بأكثر من 50 يوم عمل مهدور لكل موظف سنويًا. وتُظهر دراسات الحالة من شركة هواوي، والأبحاث في القطاعين الصحي والحكومي في السعودية، أن أنظمة التحفيز البسيطة والمُحكمة يمكن أن تؤدي إلى تحسن كبير في الانخراط، والأداء، والتعاون.

ويختتم التقرير بتوصيات استراتيجية موزعة على أربع مجالات ذات أولوية:

  • تركيز الموارد البشرية والقيادة: تدريب المدراء، تعزيز العدالة، ودمج الدافعية في الأنظمة المؤسسية.
  • بناء الثقافة: ترسيخ التقدير، وحماية السلامة النفسية، وتشجيع مشاركة الموظفين.
  • ممارسات يومية: تبني إجراءات بسيطة مثل اللقاءات الفردية ورسائل الشكر لبناء علاقات إيجابية.
  • مواءمة طويلة الأمد: تصميم الأدوار والمسارات المهنية بطريقة تخدم الهدف والاستدامة.

الدافعية ليست إجراءً يُنفذ مرة واحدة، بل هي تجربة يومية تُبنى عبر السلوك القيادي ومصداقية النظم الداخلية. ويُعد هذا التقرير نقطة انطلاق عملية لكل منظمة تطمح إلى خلق بيئة عمل يختار فيها الناس البقاء، والمساهمة، والنمو.

المقدمة والملاحظات الافتتاحية

لطالما كان موضوع التحفيز محل نقاش في الأوساط الإدارية، إلا أن القليل من أماكن العمل تعاملت معه كأولوية يومية. في زمن يُعيد فيه الموظفون باستمرار تقييم ما يتوقعونه من وظائفهم، لم تعد الدافعية سمة فردية، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأفراد والفرق والإدارة. ويأتي هذا التقرير لتسليط الضوء على هذه الحقيقة.

تواجه المؤسسات في مختلف القطاعات تحديات متشابهة: انخفاض في مستويات التفاعل، صعوبة في الاحتفاظ بالمواهب، وتزايد في الشعور بالانفصال عن بيئة العمل. ورغم أن جزءًا من هذه التحديات يعود إلى عوامل تنظيمية أو ضغوط خارجية، إلا أن العامل الأهم يرتبط بكيفية شعور الأشخاص في مكان العمل، وما إذا كانوا يشعرون بالتقدير، والنشاط، والتوافق مع ما يقومون به. فالتحفيز تقع في صميم كل ذلك.

تم إعداد هذا التقرير لدعم كل من يسهم في تشكيل بيئة العمل يوميًا: من القادة ، والموارد البشرية، ومدراء الفرق، وصنّاع القرار. ويهدف إلى تقديم رؤى وتفسيرات عملية وأفكار محفّزة مستندة إلى عقود من النقاشات العالمية، والتحولات الأحدث في سلوك الموظفين. إذا كنت مسؤولًا عن فرق العمل، أو الثقافة المؤسسية، أو الأداء، وتساءلت يومًا لماذا يزدهر بعض الأشخاص بينما يتراجع آخرون بصمت نحو عدم التفاعل، فإن هذا التقرير موجّه إليك.

حالة التحفيز في بيئة العمل اليوم

تظل مستويات التفاعل العالمي منخفضة بشكل مستمر. وتشير الدراسات إلى أن ما بين 15% و23% فقط من الموظفين يشعرون بأنهم متحفزون أو مندمجون فعليًا في العمل [1]. أما الغالبية، فتعمل في حالة من الالتزام الصامت، تؤدي المهام المطلوبة دون التزام حقيقي أو استثمار عاطفي.

وفي الوقت نفسه، تواجه المؤسسات فجوة متزايدة بين ما يحتاجه الموظفون للبقاء متحفزين، وما توفره بيئة العمل بالفعل. هذه الفجوة تؤدي إلى ضعف التفاعل، وانخفاض الإنتاجية، وتصاعد مشاعر عدم الرضا على المدى الطويل.

تغيّر توقعات الموظفين

لم تعد الدافعية في أماكن العمل تُبنى على الحوافز التقليدية بقدر ما أصبحت مرتبطة بالقيم والأولويات الإنسانية. فالموظفون اليوم يبحثون بشكل متزايد عن:

  • غاية ومعنى يتجاوزان مجرد إنجاز المهام.
  • التقدير والاعتراف بالجهود بشكل صادق ومنتظم.
  • الاستقلالية في كيفية إدارة العمل وتوقيته.
  • المرونة، خصوصًا في توزيع الوقت والمكان.
  • الأمان النفسي، حيث لا تُعاقب الأخطاء، ويُرحّب بالتغذية الراجعة.

تشير البيانات الحديثة إلى أن العديد من الموظفين باتوا يفضّلون التوازن بين العمل والحياة، والعافية الشخصية، على الأمان الوظيفي أو الراتب. ففي استطلاع عالمي نُشر أوائل عام 2025، أفاد أكثر من 80% من العاملين بأنهم يعتبرون المرونة والتوازن في الحياة المهنية مساوية أو أهم من التعويضات المالية [2]. أما لدى الفئات الأصغر سنًا، فقد أصبحت بيئة العمل ذات الهدف، والدعم النفسي، من المتطلبات الأساسية وليست مجرد مزايا إضافية.

[1]: https://www.gallup.com/workplace/349484/state-of-the-global-workplace.aspx

[2]: https://www.theguardian.com/business/2025/jan/21/work-life-balance-pay-workers-covid-pandemic

الضغوط الخارجية التي تؤثر على التحفيز

1. العمل عن بُعد والنماذج الهجينة

أدى التحول نحو العمل عن بُعد إلى إيجابيات وسلبيات معًا. من جهة، أفاد العديد من الموظفين بزيادة في الإنتاجية والرضا. ومن جهة أخرى، زادت مشاعر العزلة، وتضاربت حدود العمل والحياة الشخصية، وغابت الروابط الاجتماعية اليومية، مما أدى إلى أعباء نفسية إضافية. الموظفون عن بُعد أكثر عرضة للشعور بعدم الدعم أو التقدير، أو بعدم وضوح مستقبلهم داخل المؤسسة.

2. ثقافة الإرهاق والإجهاد المزمن

الانتشار الواسع لمصطلحات مثل “الاستقالة الصامتة” و”الانهيار الهادئ” يعكس وجود أزمة أعمق في مستويات الدافعية. هذه الأنماط لا تعني الكسل، بل تعبًا نفسيًا، وغيابًا للاعتراف، وانفصالًا شعوريًا عن العمل. كثيرون لم يعودوا مستعدين لتجاوز حدودهم من أجل مؤسسات لا تستجيب لاحتياجاتهم.

3. الاضطرابات الاقتصادية والتقنية

الضغوط الاقتصادية، لا سيما في المناطق التي تعاني من التضخم وتباطؤ الأجور، أضافت أعباء مالية على الموظفين. وفي الوقت نفسه، أدّت الأتمتة المتزايدة والتغير السريع في متطلبات الوظائف إلى ضغوط إضافية تستدعي التكيف المستمر. كل ذلك يؤدي إلى حالة من عدم اليقين والخوف، ما ينعكس سلبًا على الحافز الشخصي.

فهم ما يحفز الموظفين

الدافعية الداخلية مقابل الدافعية الخارجية

يُقسّم الباحثون الدافعية عادةً إلى نوعين رئيسيين:

  • الدافعية الداخلية: تنبع من داخل الفرد نفسه، وتُغذّى بالشعور بالرضا الشخصي، أو الاهتمام بطبيعة العمل، أو الإحساس بالهدف، أو الرغبة في النمو والتطور. على سبيل المثال، قد يشعر الموظف بالدافعية لأنه يؤمن بأن عمله يساهم في قضية ذات معنى، أو لأنه يجد تحديًا يحفزه على استخدام مهاراته.
  • الدافعية الخارجية: تعتمد على الحوافز أو الضغوط الخارجية، مثل الراتب، أو المكافآت، أو الترقيات، أو تقييم الأداء، أو الخوف من العواقب. ورغم أن هذه العوامل قد تؤدي إلى تحسن مؤقت في الأداء، إلا أنها تفقد فعاليتها عندما تُستخدم بمعزل عن العوامل الأخرى، أو لفترات طويلة.

في بيئات العمل الناجحة، تميل الدافعية الداخلية والخارجية إلى دعم بعضهما البعض. فعلى سبيل المثال، التعويض العادل (عامل خارجي) يمنح الموظف الاستقرار المالي اللازم للتركيز على النمو الذاتي والتطوير المهني (عامل داخلي).

العلاقة بين الدافعية والإنتاجية والولاء والثقافة المؤسسية

الدافعية ليست مفهوماً نظرياً أو عاطفياً فقط، بل لها تأثيرات واضحة وقابلة للقياس على نتائج المؤسسات:

  • الإنتاجية: الموظفون المتحفزون أكثر تركيزًا، ويبادرون، ويحافظون على جهدهم مع مرور الوقت. كما أنهم أكثر قدرة على اكتشاف المشكلات مبكرًا، واقتراح حلول، وتقديم مساهمات تتجاوز نطاق المهام الأساسية.
  • الولاء والاستبقاء: عندما يشعر الموظفون بأنهم متحفزون، تقل احتمالية بحثهم عن فرص خارجية. ويطورون علاقات أقوى مع فرقهم ومؤسساتهم، مما يساهم في تقليل معدلات الدوران وتكاليف التوظيف الجديدة.
  • الثقافة والسلوك: تشكل الدافعية طريقة تفاعل الناس مع بعضهم البعض. فالفرق المتحفزة تكون أكثر تعاونًا، وقدرة على التكيف، وروحًا بنّاءة. أما غياب الدافعية، فيؤدي إلى ظهور ثقافة من السلبية أو التبلد، أو الأداء الآلي دون التزام حقيقي.

العوامل العشرة الأساسية التي تؤثر على الدافعية

1. الغاية والمعنى

يزداد تحفيز الموظفين عندما يدركون أن عملهم له قيمة تتجاوز المهام اليومية. يتضمن ذلك فهم كيفية ارتباط دورهم برسالة أوسع، أو تأثيره على حياة الآخرين. وعندما تغيب الغاية، تصبح المهام روتينية وجوفاء.

2. التقدير والاعتراف

يعزز التقدير الصادق والمتواصل شعور الموظف بالتقدم والقيمة. ولا يشترط أن يكون التقدير ماليًا؛ فالإشادة اللفظية، أو الإشارة إلى الجهود في الاجتماعات، أو الملاحظات المكتوبة قد تكون كافية لرفع مستوى الدافعية. أما غياب التقدير، فيؤدي غالبًا إلى شعور الموظف بالتجاهل أو التقليل من شأنه.

3. الاستقلالية

عندما يُمنح الموظفون حرية اختيار كيفية تنفيذ أعمالهم، يشعرون بمزيد من التفاعل والانخراط. فالإدارة التفصيلية المفرطة تقلل من الشعور بالملكية، وتُضعف الثقة. أما الاستقلالية، فتشجع على المبادرة، والإبداع، وتحمل المسؤولية.

4. النمو والتطور

ترتفع الدافعية عندما يشعر الموظفون أنهم يتعلمون ويتقدمون. ويمكن أن تشمل الفرص: التدريب، وتطوير المهارات، والترقيات، أو التحديات الجديدة ضمن نفس الدور. أما الركود الوظيفي، فيقود غالبًا إلى التراجع أو الانفصال عن العمل.

5. العدالة في التعويضات والمزايا

رغم أن التعويض ليس العامل الوحيد، إلا أن الأجر العادل والشفاف يُعد شرطًا أساسيًا. وعندما يشعر الموظفون بأنهم لا يتقاضون ما يستحقون، أو أن نظام المكافآت غير عادل، فإن الدافعية تتراجع، حتى وإن توفرت عوامل إيجابية أخرى.

6. القيادة والثقة

غالبًا ما يربط الموظفون تحفيزهم بمديرهم المباشر. فالقادة الذين يصغون، ويوضحون التوقعات، ويحترمون الحدود، ويتصرفون بأخلاقيات، يسهمون في خلق بيئة مستقرة ومحفّزة.

7. العلاقات داخل الفريق والانتماء

تشكل العلاقات الإيجابية في العمل، خصوصًا بين الزملاء، مصدرًا مهمًا للدافعية. فالثقة، والتعاون، والشعور بالانتماء تجعل الموظف أكثر راحة وانفتاحًا واستعدادًا للعطاء.

8. الأمان النفسي

يتحفّز الموظفون أكثر عندما يشعرون بالأمان في التعبير عن آرائهم، أو الاعتراف بالأخطاء، أو مشاركة الملاحظات، أو حتى تحدي الأفكار دون خوف من العقوبة. يتيح الأمان النفسي التواصل الصادق، والتعلم. 

9. عبء العمل ووضوح الدور

تتأثر الدافعية بمدى وضوح التوقعات وحدود الأدوار. فزيادة الحمل، أو تغير الأولويات باستمرار، أو غياب وضوح المسؤوليات، قد تؤدي إلى التوتر، والإرهاق، والانفصال التدريجي. أما وضوح المهام وتوازن المتطلبات، فيدعمان الاستمرارية في الدافعية.

10. المرونة والتوازن بين العمل والحياة

سواء من خلال العمل عن بُعد، أو ساعات مرنة، أو مراعاة ظروف الموظفين الشخصية، فإن المرونة تعزز شعور الموظف بالاحترام والثقة. كما تتيح له إدارة طاقته بشكل أفضل، والحفاظ على الدافعية رغم تغير الظروف.

أنماط ومحفزات الدافعية

التحفيز لا يتوزع بشكل متساوٍ عبر الأدوار الوظيفية أو التخصصات أو الأفراد. فهو يتغير بحسب طبيعة الوظيفة، وجودة القيادة، والبيئة التنظيمية، والمرحلة التي يمر بها الشخص في حياته المهنية أو الشخصية.

التحفيز بحسب نوع الوظيفة

كل نوع من الوظائف يرتبط بمحفزات خاصة، ويواجه تحديات مختلفة تؤثر على مستوى الدافعية:

  • الوظائف المعرفية (مثل المحللين، الباحثين، المتخصصين): غالبًا ما يستمد أصحاب هذه الأدوار دافعهم من الاستقلالية، والتحدي الفكري، وفرص الابتكار. وتنخفض الدافعية عندما يصبح العمل رتيبًا أو عندما لا يُعترف بمساهماتهم.
  • الوظائف الميدانية والخدمية (مثل خدمة العملاء، الموظفين الميدانيين، الدعم الفني): تتأثر دافعيتهم بشكل كبير بالتقدير، وظروف العمل، والتغذية الراجعة المباشرة. ونظرًا لأن هذه الوظائف تعمل ضمن أنظمة صارمة، فإن العدالة والاحترام يلعبان دورًا محوريًا في تحفيزهم.
  • الوظائف الإدارية: قد تكون الدافعية في هذه الأدوار مرتبطة بإتمام المهام، والهيكل الواضح، وتحديد المسؤوليات بدقة. ومع ذلك، فإن غياب التقدير أو انعدام فرص الترقّي قد يؤدي إلى شعور بالعزلة أو الإحباط.
  • الأدوار القيادية والإشرافية: غالبًا ما تستمد دافعيتها من النتائج، والتأثير، والانسجام مع التوجه العام للمؤسسة. ومع ذلك، فإن هذه الفئة أكثر عرضة للإرهاق الوظيفي، خصوصًا عندما تكون التوقعات غير واضحة، أو عندما يشعر القادة بالعزلة.

التحفيز والرفاه النفسي

غالبًا ما يُظهر الموظفون المتحفزون مستويات أعلى من الطاقة، وانخراطًا أقوى في المهام، وشعورًا أعمق بالمعنى في عملهم. وهذا ينعكس إيجابيًا في عدة جوانب:

  • انخفاض مستويات التوتر: الموظفون المتحفزون أكثر قدرة على التعامل مع عبء العمل، ويشعرون بسيطرة أكبر على كيفية أدائهم لمهامهم.
  • المرونة النفسية: عند مواجهة التحديات أو الإخفاقات، تعمل الدافعية كحاجز وقائي يساعد الأفراد على التعافي بسرعة بدلاً من الانسحاب أو الانفصال عن العمل.
  • رضا وظيفي أعلى: الإحساس بالهدف والإنجاز يعزز الاستقرار العاطفي ويغذي النظرة الإيجابية تجاه العمل.
  • توازن أفضل بين الحياة والعمل: الموظفون المتحفزون يميلون إلى إدارة وقتهم وطاقتهم بكفاءة أعلى، مما يمنحهم مساحة للاهتمام بصحتهم النفسية والجسدية.

تراجع الدافعية يؤثر سلبًا على الرفاه

عندما تنخفض الدافعية، تظهر علامات ذلك بطرق تشبه أعراض تدهور الصحة النفسية:

  • الإنهاك العاطفي: عندما يشعر الشخص أن جهوده لا ترتبط بقيمة أو هدف، فإن الطاقة تستنزف بسرعة.
  • السخرية أو الانفصال: الموظف غير المتحفز قد يشعر بالانفصال عن فريقه أو المؤسسة، مما يعزز مشاعر العزلة.
  • الاحتراق الوظيفي: انخفاض الدافعية لفترة طويلة، خاصةً مع عبء عمل عالٍ أو دعم ضعيف، يؤدي إلى تسارع وتفاقم الإحتراق الوظيفي.
  • أعراض جسدية: قد يصاحب انعدام الدافعية اضطرابات في النوم، أو صداع، أو أمراض متكررة ناجمة عن التوتر المزمن.

الانتشار المتزايد لمصطلحات مثل “الاستقالة الصامتة”، و”الإرهاق الكبير”، و”الانهيار الهادئ” يشير إلى تقاطع متزايد بين انخفاض الدافعية وتدهور الرفاه. هذه الظواهر لا تمثل حالات فردية، بل تعكس مشاكل هيكلية في طريقة تصميم وإدارة العمل.

كيف تحافظ المؤسسات على التحفيز

تلعب سلوكيات ومواقف المدراء المباشرين دورًا حاسمًا في الحفاظ على الدافعية داخل الفرق. وغالبًا ما تُظهر الفرق المتحفزة أن قادتها:

  • يصغون باهتمام ويتعاملون مع المخاوف باحترام وشفافية
  • يوضّحون الأهداف والمسؤوليات والتوقعات بشكل دقيق
  • يعترفون بالجهد والتقدم، وليس فقط بالنتائج النهائية
  • يتحلون بالعدالة والثبات في اتخاذ القرارات
  • يشجعون الاستقلالية، بدلاً من فرض السيطرة على كل تفصيل

في المقابل، فإن السلوكيات القيادية التي تضعف الدافعية تشمل: الإدارة الدقيقة المفرطة، التواصل الغامض، غياب القائد عن المشهد، أو التركيز على النتائج على حساب رفاه الموظفين.

ممارسات التواصل التي تدعم التحفيز

يُعد التواصل الواضح والمتسق من أكثر الأدوات المهملة في دعم الدافعية. أما المؤسسات التي تنجح في هذا الجانب، فهي عادةً ما:

  • تقدم تغذية راجعة منتظمة، وليس فقط أثناء التقييمات الرسمية
  • تجعل من التقدير جزءًا من ثقافة الفريق، ويُشارك بشكل علني وليس سري فقط
  • تربط بين المهام اليومية والأهداف الأكبر للمؤسسة
  • تضمن أن السياسات والقرارات تُشرح بشفافية، حتى في الأوقات الصعبة

الدافعية مرتبطة بشدة بمدى شعور الموظف بأنه مطّلع ومشمول ومحل تقدير. والتواصل هو الوسيلة الأهم لترسيخ هذا الشعور بشكل ملموس.

ممارسات تنظيمية فعّالة

الحفاظ على التحفيز لا يتوقف على النوايا الحسنة، بل يتطلب وجود أنظمة وهياكل تعزز الشعور بالمعنى، والتحكم، والدعم. ومن الأمثلة الناجحة:

  • برامج تأهيل الموظفين الجدد التي تركز على الغاية والقيم، وليس فقط على المهارات الفنية
  • لقاءات فردية منتظمة لا تقتصر على الأداء، بل تشمل الرضا، والتحديات، والطموحات
  • ترتيبات عمل مرنة تعكس الثقة وتراعي اختلاف ظروف الموظفين
  • فرص تنقل وظيفي وتطور مهني تعطي الموظفين مجالًا للنمو
  • أنظمة تقدير يقودها الزملاء، تعزز ثقافة الامتنان على جميع المستويات

هذه الممارسات لا تتطلب ميزانيات ضخمة، بل تحتاج إلى الاستمرارية، والمصداقية، وقيادة تؤمن بقيمة الإنسان.

تكلفة إهمال تحفيز الموظفين

نادرًا ما يكون أداء الموظفين المتراجعين ناتجًا عن ضعف في المهارات، بل غالبًا ما يكون سببه الأساسي أنهم لم يعودوا يرون سببًا حقيقيًا لبذل الجهد. تظهر علامات هذا التراجع تدريجيًا وبصورة غير مباشرة، مثل:

  • التأخير في تسليم المهام
  • بذل الحد الأدنى من الجهد
  • تجنّب المبادرة أو تقديم الأفكار

ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى:

  • انخفاض جودة العمل
  • تراجع التركيز والانتباه للتفاصيل
  • ضعف الإبداع وحل المشكلات
  • التزام شكلي دون تفاعل أو انخراط حقيقي

حتى الموظفون ذوو الكفاءة العالية قد يتراجعون أو ينسحبون بصمت إذا تم تجاهل دافعيتهم أو إساءة فهمها بشكل متكرر.

تأثيرات على الفريق والثقافة المؤسسية

الدافعية لا تُعد مسألة فردية فقط، بل تنتقل عدواها بين الأفراد. فعندما ينسحب بعض أعضاء الفريق، يتأثر الآخرون من خلال:

  • انخفاض المعنويات
  • تراجع الثقة داخل الفريق
  • تدهور التعاون وتبادل المعرفة
  • تنامي الشعور بالاستياء تجاه الإدارة أو الموظفين المتفوقين
  • تفكك الأنظمة غير الرسمية التي تُسهم في بناء الثقافة

في بيئات يغيب فيها التحفيز، تبدأ الفرق بالعمل بردّات فعل دفاعية بدلًا من الأداء البنّاء والمبادر.

نتائج على مستوى المؤسسة

كلما طال إهمال الدافعية، زادت التحديات التنظيمية، مثل:

  • ارتفاع معدلات الدوران الوظيفي: الموظف المتحفز يبقى، أما غير المتحفز فيغادر – أو الأسوأ، يبقى منسحبًا.
  • زيادة الغياب: الإرهاق العاطفي يؤدي إلى ارتفاع في الإجازات المرضية أو سلوكيات الانسحاب.
  • تراجع الابتكار: الموظفون غير المتحفزين أقل رغبة في طرح الأفكار أو تحدي الأنظمة التقليدية.
  • هدر الموارد: لا تُحدث برامج التدريب والرواتب والمزايا أي تأثير يُذكر عندما يكون الحضور الذهني غائبًا.

غالبًا ما تُخطئ المؤسسات في تفسير هذه المؤشرات، فترى الأداء المتراجع على أنه مشكلة مهارية، أو تُحمّل الموظف مسؤولية عدم تفاعله. في الواقع، هذه الأعراض تشير غالبًا إلى انهيار في منظومة الدافعية. وإذا لم يتم التعامل معها، فإنها تؤدي إلى تكاليف يمكن تجنبها، وفقدان للمصداقية، وضرر على السمعة المؤسسية.

الجدوى الاقتصادية للاستثمار في الدافعية

إهمال الدافعية لا يمثل فقط تحديًا على المستوى الإنساني، بل يترتب عليه تبعات مالية واضحة ومباشرة. يستعرض هذا القسم الأثر الاقتصادي لانخفاض الدافعية، والعائد الحقيقي من الاستثمارات الموجهة للدافعية والرفاه، إلى جانب بعض النتائج المستخلصة من تجارب في الشرق الأوسط والمملكة العربية السعودية.

التأثير الاقتصادي: الإنتاجية، التوظيف، والحضور غير الفعّال

  • تشير التقديرات إلى أن الموظفين غير المنخرطين في أعمالهم يكلفون الاقتصاد العالمي ما يقارب 8.8 تريليون دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 9٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي [3].
  • في الولايات المتحدة وحدها، يُقدَّر فقدان الإنتاجية بسبب ضعف الانخراط في العمل بين 483 مليار و605 مليار دولار سنويًا [4].
  • تتراوح تكلفة الدوران الوظيفي ما بين 50٪ إلى 200٪ من راتب الموظف السنوي، وذلك نتيجة تكاليف التوظيف، التدريب، فقدان الإنتاجية، وتراجع المعنويات [5].
  • أما “الحضور غير الفعّال” – أي عندما يكون الموظف حاضرًا جسديًا لكنه غير قادر على الأداء بكفاءة – فيُعد أكثر تكلفة من الغياب الفعلي، حيث يخسر كل موظف ما يقارب 57.5 يوم عمل سنويًا مقارنة بـ 4 أيام فقط نتيجة الغياب [6].
  • [3, 4]: https://www.gallup.com/workplace/393497/world-trillion-workplace-problem.aspx
  • [5]: https://www.gallup.com/workplace/646538/employee-turnover-preventable-often-ignored.aspx
  • [6]: https://www.enhesa.com/resources/article/what-is-presenteeism-the-price-of-productivity-loss/

برامج ودراسات عالمية حول الدافعية

1. التحليل التلوي: القيادة والدافعية الداخلية

تحليل تلوي شمل 50 دراسة و21,873 مشاركًا وجد ارتباطًا واضحًا بين أنماط القيادة والدافعية الداخلية لدى الموظفين (7):

  • الأنماط الإيجابية شملت: القيادة التحويلية، الأخلاقية، الخدمية، التمكينية، وتبادل العلاقات بين القائد والمرؤوس.
  • القيادة المسيئة كان لها تأثير سلبي ملحوظ على الدافعية.

أبرز المحفزات كانت القيادة الأخلاقية والتمكينية والخدمية، والتي أثبتت فاعلية أكبر حتى من القيادة التحويلية في بعض الحالات.
[7]: https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2022.941161/full

2. دراسة حالة – هواوي: نظام “الفرسان والنجوم الذهبية”

واجهت هواوي تحديًا شائعًا لدى المؤسسات الكبيرة: كيف تُحفّز الموظفين على المساهمة طوعًا في مشاريع تعاونية داخلية، دون فرض التعليمات من الأعلى.

الحل كان عبر إطلاق مبادرة InnerSource المستوحاة من مبدأ تطوير البرمجيات مفتوحة المصدر، وتعزيزها بنظام تحفيزي داخلي يُعرف بـ “الفرسان والنجوم الذهبية”.

هيكل البرنامج:

  • النجوم الذهبية: تُمنح لمن يساهم في المشاريع، كحل المشكلات أو تقديم دعم تقني. وهي مرئية داخل الشركة وتُعزز السمعة المهنية.
  • ألقاب الفرسان: تُمنح للمساهمين البارزين عبر ترشيحات الزملاء ومؤشرات الأداء. وتمنح حاملها تأثيرًا في المجتمع الداخلي.

المكافآت لم تكن مالية، بل رمزية، مثل: الظهور المهني، فرص القيادة، الوصول لمشاريع خاصة، ودعوات لفعاليات داخلية متميزة.

النتائج:

  • زيادة في المساهمات التطوعية، خاصة من غير المطورين الأساسيين
  • تعزيز التعاون بين الفرق المختلفة
  • تحسّن في استخدام الأدوات والأنظمة الداخلية
  • نشوء نظام غير رسمي للسمعة المهنية ساعد في الترقيات والفرص

الدرس المستفاد:

التحفيز لا يتطلب دائمًا مالًا، بل يمكن أن يتحقق من خلال التقدير، المعنى، والثقة (8).

[8]: https://arxiv.org/abs/2207.08475

أمثلة من السعودية: الدافعية قيد التطبيق

1. التحفيز في التدريب الصحي – مكة المكرمة

شملت دراسة حديثة 43 مركزًا صحيًا أوليًا في مكة، وبحثت في دوافع العاملين الصحيين لحضور البرامج التدريبية (قرابة 300 مشارك).

أبرز دوافع المشاركة:

  • الحوافز المالية (بدلات، أو وقت مدفوع الأجر)
  • التقدير المعنوي (شهادات، شكر شفهي، إشادة من الإدارة)
  • المحاضرون الجيدون (حين تكون الجلسات تفاعلية أو ملهمة)
  • ارتباط التدريب بأهداف الصحة الوطنية في السعودية

لم تظهر فروقات كبيرة في الدافعية بين الفئات العمرية أو الجنسيات أو المهن، مع ميل أصحاب الدراسات العليا لتقدير التدريب المرتبط بالنمو المهني.

📌 الاستنتاج: يمكن الحفاظ على الدافعية حتى ضمن فرق كبيرة ومتنوعة، إذا كان التدريب ذو صلة، ويحظى بتقدير، ويتماشى مع الأهداف الفردية والوطنية (9).

[9]: https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11952066/

2. الدافعية، الانخراط، والأداء – الرياض

ركزت دراسة أخرى على موظفي الإدارات والمؤسسات شبه الحكومية في الرياض.

أهم محفزات الأداء حسب النتائج:

  • التقدير – الشعور بأن الجهد يُلاحظ
  • التطور المهني – وجود مسار واضح للنمو
  • المعنى في العمل – فهم تأثير الدور الوظيفي

لكن العامل الحاسم كان: الانخراط. فالدافعية وحدها لم تكن كافية لتحسين الأداء، بل كان لا بد من شعور الموظف بالارتباط والانخراط العاطفي مع العمل.

📌 الاستنتاج: تحويل الدافعية إلى نتائج فعلية يتطلب بيئة يشعر فيها الموظف بأنه ليس مجرد رقم، بل جزء مؤثر ومسموع. (10).

[10]: https://www.mdpi.com/2076-3387/15/6/230

التوصيات الاستراتيجية للمؤسسات

أ. مجالات التركيز الرئيسية لفِرَق الموارد البشرية والقيادة

  • تدريب المدراء على ملاحظة تغيرات الدافعية، وليس فقط الأداء.
  • دمج موضوع الدافعية في برامج التهيئة للموظفين الجدد، مع توضيح الغاية من دورهم.
  • تضمين مقاييس مرتبطة بالدافعية في استطلاعات الرضا، وتقارير الانخراط، ومراجعات الأداء.
  • تعزيز ممارسات العدالة في الترقيات، والتغذية الراجعة، ونُظم التقدير. فالشعور بالتحيز أحد أهم مسببات فقدان الدافعية.

ب. بناء ثقافة مؤسسية تعزز الدافعية

  • الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة كما الكبيرة. التقدير العلني يُعزز الحماس.
  • تشجيع الموظفين على إبداء آرائهم ومقترحاتهم لتحسين بيئة العمل.
  • الحفاظ على السلامة النفسية داخل الفرق، فالناس يشاركون عندما يعلمون أنهم لن يُعاقبوا على الخطأ.
  • الاعتراف بالجهد، وليس فقط النتائج. الشعور بالاهتمام يُبقي الدافعية حية، حتى قبل الوصول إلى النتائج النهائية.

ج. ممارسات يومية عملية

  • بدء الاجتماعات بتقدير مساهمة أو مجهود.
  • تدوير مسؤولية تقديم ملخصات الفريق أو إدارة الاجتماعات، لبناء الشعور بالملكية.
  • إجراء لقاءات فردية قصيرة ومنتظمة لاكتشاف الحواجز التي تعيق التحفيز مبكرًا.
  • استخدام لفتات بسيطة وغير مكلفة مثل رسائل الشكر أو الملاحظات المكتوبة لتدعيم الدافعية.

د. مواءمة طويلة الأمد داخل المؤسسة

  • تصميم الأدوار بناءً على نقاط القوة، وليس فقط المسمى الوظيفي.
  • خلق مسارات مهنية واضحة لجميع الأقسام، وليس فقط المسارات القيادية أو التقنية.
  • مراجعة حجم العمل بشكل دوري لتفادي الإرهاق الصامت الذي يضعف الحافز تدريجيًا.
  • ربط الدافعية بالهدف، فكلما فهم الموظف “لماذا” يؤدي عمله، كلما زادت رغبته في الاستمرار والمساهمة.
بعض نتائج التقرير :
  • 23%
    ما بين 15 بالمئة و23 بالمئة فقط من الموظفين يشعرون بأنهم متحفزون أو مندمجون فعليًا في العمل
  • 50%
    تتراوح تكلفة الدوران الوظيفي ما بين 50 بالمئة إلى 200 بالمئة من راتب الموظف السنوي،
للتعرف على مزيد من النتائج :
شارك التقرير :