حين يصير روبوت الدردشة صديق ابنك المقرّب
أمّ تستعير جوّال ابنها لتصوّر شيئاً، فيظهر أمامها تطبيق مفتوح على محادثة طويلة. تقرأ سطرين ثمّ تتراجع، فليست المحادثة عن واجب مدرسي، وإنّما عن يوم سيّئ في المدرسة، وعن صديق تغيّر، وعن شعور لم تسمعه هي منه منذ شهور.
فحين يُذكر الذكاء الاصطناعي والأبناء يذهب النقاش في الحال إلى الغشّ في الواجبات، وهو قلق مشروع غير أنّه ليس أهمّ ما يجري.
والأهمّ منه أنّ عددًا من أبنائنا لا يستخدم هذه الأدوات ليحلّ واجباً، وإنّما ليعبر عن مشاعره الخاصة.
ما تفصح عنه الأرقام
في تقرير هيئة الاتّصالات البريطانية «أوفكوم» لعام 2026، يقول: واحد من كلّ عشرة أطفال مستخدمين للذكاء الاصطناعي، يستخدمونه بوصفه شخصاً يتحدّث إليه أو صديقاً.
وفي مسح أُجري في مارس 2026 على 1.204 أطفال بين التاسعة والسابعة عشرة، تبيّن أنّ 86 بالمئة منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وأنّ من بين المستخدمين 37 بالمئة يناقشون معه مشاعرهم أو مشكلاتهم الشخصية، و40 بالمئة يتدرّبون معه على المحادثات والمهارات الاجتماعية.
وحين سُئلوا عمّن يسألونه أوّلاً في مسألة تتعلّق بالصحة، قال 73 بالمئة إنّهم يسألون بالغاً موثوقاً، غير أنّ 12 بالمئة قالوا إنّهم يسألون روبوت دردشة أوّلاً، وترتفع النسبة إلى 27 بالمئة بين المستخدمين اليوميين.
الرقم الذي ينبغي أن يقرأه كلّ موجّه طلّابي
في تقرير منظّمة إنترنت ماترس البريطانية لعام 2025 ظهرت أخطر نتيجة في هذا الباب كلّه.
17 بالمئة من الأطفال الأشدّ هشاشة يستخدمون روبوتات الرفقة، مقابل 6 بالمئة من غيرهم، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف. و50 بالمئة منهم يقولون إنّ الحديث مع الذكاء الاصطناعي يشبه الحديث مع صديق، مقابل 35 بالمئة في العيّنة عموماً. و23 بالمئة منهم يقولون صراحةً إنّه لا أحد غيره يتحدّثون إليه، مقابل 12بالمئة في العيّنة عموماً.
فاقرأ هذه الأسطر مرّة أخرى: الطفل الذي يستبدل بالموجّه الطلّابي روبوتاً هو الطفل الأشدّ حاجة إلى الموجّه الطلّابي.
وليست هذه قضية تقنية، وإنّما هي قضية إرشاد طلّابي بامتياز.
ولماذا هذه السنّ تحديداً
فبين الثانية عشرة والرابعة عشرة يتشكّل جزء كبير من هوية المراهق، وتصير نظرة الأقران إليه أثقل من أيّ وقت مضى. وفي هذه المرحلة بعينها يقدّم له الروبوت ثلاثة أشياء يصعب أن يجدها في محيطه.
فهو لا يحكم عليه، فيستطيع أن يقول ما يخجل من قوله لصديق قد ينقله غداً. ولا يملّ، فهو متاح في الثالثة فجراً بلا إشارات ضجر. ولا يخبر أحداً، وهذه بالذات هي الميزة والمشكلة معاً.
وأين المشكلة بالضبط
أوّلاً أنّه لا يخالف. المحادثة المصمّمة لإبقاء المستخدم متفاعلاً تميل إلى الموافقة. والمراهق الذي يحتاج من يقول له «أظنّك مخطئاً هنا» يسمع في الغالب صدى رأيه.
وثانياً أنّه لا يعرف السياق، فلا علم له بأسرته ولا بمدرسته ولا بتاريخه.
وثالثاً أنّه لا يستطيع أن يتصرّف، فلا يتّصل بأحد، ولا يحمي، ولا يوصل الحالة إلى من يملك التدخّل.
ورابعاً أنّ الإفصاح لا يصل، ففي المسح نفسه تعرّض 17 بالمئة من مستخدمي روبوتات الدردشة لشيء غير مناسب لأعمارهم، ولم يخبر 53 بالمئة منهم أيّ بالغ.
الإضافة أم الاستبدال
بين استخدام طبيعي واستخدام يستدعي القلق فرق واحد يمكن ملاحظته من داخل البيت: هل زاد الروبوت على دائرته، أم حلّ محلّها؟
فالمراهق الذي يسأل الأداة عن فكرة ثمّ يناقشها مع صديقه مضيفٌ إلى دائرته. وأمّا الذي كان يتحدّث إلى أخيه أو صاحبه أو أستاذه ثمّ توقّف، وصار حديثه كلّه يجري في نافذة واحدة، فذلك استبدال.
والمؤشّر العملي ليس عدّاد الوقت، وإنّما عدد البشر الذين تحدّث إليهم هذا الأسبوع في شيء يهمّه.
ما لا يُفعل
فلا يُسخَر منه، إذ تكفي جملة واحدة من قبيل «أتتحدّث إلى برنامج؟» لإغلاق الموضوع نهائياً.
ولا يُمنَع فجأة، فالمنع المفاجئ ينقل الاستخدام إلى جهاز آخر أو حساب آخر، ويُنهي معرفة الوالد بما يجري.
ولا يُفترض الأسوأ، فاستخدام الذكاء الاصطناعي في هذه السنّ سلوك شائع لا مؤشّر أزمة بذاته.
وماذا يُفعل إذاً
اسأله سؤالاً مفتوحاً لا استجوابياً: في أيّ شيء تستخدمه أكثر؟ فهذا أنفع بكثير من: هل تحدّثه عن مشكلاتك؟
ثمّ اجلس معه عشر دقائق أمام التطبيق، وجرّبه بنفسك واسأله عن رأيه في جوابه، فهذا وحده يحوّل الأداة من سرّ إلى موضوع مشترك.
وعلّمه أن يتحقّق: ضعا معاً سؤالاً تعرفان جوابه، واطلبا من الأداة أن تجيب عنه، ثمّ ناقشا ما أخطأت فيه. فالدرس المستفاد من خطأ رأيتماه معاً أبقى من أيّ تحذير.
واتّفق معه على خطّ أحمر واحد، وهو أنّ كلّ ما يخصّ الجسد والصحة والمشاعر الثقيلة يُناقَش مع إنسان. وليس هذا منعاً للأداة، وإنّما ترتيب للأولوية.
ويبقى الأهمّ أن تكون أنت الخيار الأيسر. فالأرقام تقول إنّ الأطفال ما زالوا يفضّلون الشخص البالغ الموثوق، بشرط أن يكون متاحاً ولا يصدر الأحكام. فالمنافسة هنا ليست مع التقنية، وإنّما مع مدى سهولة الوصول إليك.
وللموجّه الطلّابي ثلاث إشارات
طالب يخاطب الأداة مخاطبة الأشخاص ويصفها بأنّها تفهمه. وطالب يعرف تفاصيل لا مصدر بشريّ لها ولا يذكر أنّه سأل أحداً. وانسحاب اجتماعي يتزامن مع ارتفاع في وقت الاستخدام.
والسؤال الذي يفتح الباب ليس: هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟ وإنّما: حين تحتاج أن تتحدّث إلى أحد، فمن أوّل من يخطر ببالك؟ فالجواب عن هذا السؤال يكشف أكثر بكثير.
فالأداة ليست خصماً، والمنع ليس استراتيجية. غير أنّ أقرب مستمع لابنك إن صار برنامجاً لا يعرفه ولا يقدر على حمايته، فالمشكلة ليست في البرنامج، وإنّما في المساحة التي تركناها فارغة.

