تقنيات تنفس عملية من أجل السيطرة على مشاعر الطفل

نمر جميعًا بمشاعر الغضب من وقتٍ لآخر، سواءً تجاه الأشخاص أو المواقف أو حتى أنفسنا. وقد تتفاوت شدة هذه المشاعر بين الانزعاج البسيط ونوبات الغضب القوية، خاصة لدى الأطفال الذين لا يمتلكون بعد أدوات فعالة للتعبير عن انفعالاتهم.
لهذا، تُعتبر تقنيات التنفس للسيطرة على مشاعر الطفل من أهم المهارات التي يمكن للآباء تعليمها لأطفالهم، فهي تساعدهم على تهدئة أجسامهم، واستعادة الهدوء، والتعامل مع المواقف المزعجة بطريقة إيجابية.
في هذا المقال، سنتعرف على فوائد تمارين التنفس للأطفال، وكيف يمكن أن تكون وسيلة عملية لتقليل نوبات الغضب وتعزيز الوعي الذاتي لديهم والسيطرة على مشاعرهم.

فهم الغضب عند الأطفال

يُعد الغضب عند الأطفال استجابة طبيعية للمواقف التي تثير التوتر أو الإحباط أو الشعور بعدم الفهم.
الأطفال بين ٦ و٨ سنوات، يعبرون عن غضبهم بوضوح أكبر عندما يشعرون بالرفض أو الظلم، ومع ذلك، قد تكون مشاعر الغضب لدى الطفل ناتجة عن أسباب أعمق مثل: (القلق، التوتر، الصدمات النفسية، أو حتى بعض الحالات الصحية والنفسية).
فعلى سبيل المثال، قد يُعاني الأطفال المصابون بالتوحّد من نوبات غضب متكررة بسبب صعوبة تنظيم مشاعرهم، بينما يُظهر الأطفال الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط سلوكًا غاضبًا عند مواجهة مهام مملة أو تتطلب تركيزًا طويلًا.
كما تختلف طرق التعبير عن مشاعر الطفل لدى الأطفال؛ فبعض الأطفال يصرخون أو يضربون، بينما يُظهر آخرون علامات خفية مثل الانزعاج أو الإحباط السريع. عندما تلاحظ أن غضب طفلك يؤثر على علاقاته أو أدائه الدراسي، فذلك مؤشر على حاجته إلى تعلّم مهارات معرفية وتنظيمية تساعده على التحكم في مشاعره.
باستخدام تقنيات التنفس العميق وتمارين الاسترخاء، يمكنك مساعدة طفلك على تهدئة جسده وعقله، ليتمكن من فهم مشاعره والتعبير عنها بطريقة أكثر نضجًا وهدوءًا.

دور التحكم في التنفس في إدارة غضب طفلك

عندما يشعر الطفل بالغضب، يبدأ جسمه بإطلاق سلسلة من الاستجابات الفسيولوجية، مثل تسارع ضربات القلب، وتوتر العضلات، وشدّ الفك أو قبض اليدين. وغالبًا ما يتأثر التنفس أيضًا في هذه اللحظة، فيصبح سريعًا أو سطحيًا، وأحيانًا قد يحبس الطفل أنفاسه دون وعي أثناء محاولته كبت مشاعره.
لكن هذا النوع من التنفس السطحي يُفاقم التوتر بدلاً من تهدئته، لأنه يمنع وصول الأكسجين الكافي إلى الرئتين والدماغ، مما يزيد من الشعور بالقلق والانفعال.
في المقابل، يُعد التنفس العميق وسيلة فعالة لمساعدة الطفل على استعادة هدوئه وتنظيم مشاعره، فالتنفس البطيء والعميق يُرسل إشارة للجهاز العصبي بأن الجسم في أمان، مما يُساعد على خفض ضغط الدم، وتهدئة ضربات القلب، وتقليل حدة الغضب تدريجيًا.
إن تعليم الطفل تقنيات التحكم في التنفس لا يُساعده فقط على تجاوز نوبات الغضب، بل يُنمي لديه مهارة معرفية مهمة تُعرف باسم “تنظيم الذات”، وهو ما يساعد على السيطرة على مشاعر الطفل.

أنواع تمارين التنفس للأطفال

تُعد تمارين التنفس للأطفال من الأدوات الفعّالة لمساعدتهم على التحكم في الغضب وتهدئة مشاعرهم. وتُعتبر تقنية التنفس الحجابي (أو ما يُعرف بـ”تنفس البطن”) من أبرز هذه التمارين وأكثرها فاعلية في استعادة الهدوء الداخلي.
التنفس الحجابي (تنفس البطن)
الحجاب الحاجز هو عضلة تقع أسفل الرئتين وتتحكم في عملية التنفس. فعند الشهيق، ينقبض الحجاب الحاجز ويدخل الهواء إلى الرئتين، بينما يسترخي أثناء الزفير ليُخرج الهواء.
يساعد هذا النوع من التنفس على استغلال كامل سعة الرئتين، مما يُقلل من توتر العضلات ويُبطئ ضربات القلب ويُعزز الإحساس بالاسترخاء.
يُعتبر التنفس الحجابي للأطفال وسيلة فعّالة لمساعدتهم على تهدئة الجهاز العصبي والتعامل مع الغضب أو المواقف المسببة للقلق، كما يُنمي لديهم مهارة الاسترخاء الذهني، وهي خطوة أساسية في إدارة التوتر والسيطرة على مشاعر الطفل.

خطوات تعليم الطفل التنفس الحجابي:

ساعد طفلك على الجلوس في وضعية مريحة ومستقيمة.

ضع يد طفلك على صدره والأخرى على بطنه ليشعر بحركة التنفس.

اطلب منه أن يتنفس ببطء عبر أنفه حتى يشعر بأن بطنه يتمدد مع دخول الهواء.

ثم يُخرج الهواء ببطء من خلال شفتيه المضمومتين برفق.

كرر الخطوات عدة مرات، ثم اسأل طفلك عن إحساسه بعد التمرين.

يُمكن ممارسة هذا التمرين يوميًا في أوقات الهدوء أو عند ظهور بوادر الغضب، ليُصبح أداة فعالة في تنمية مهارات التحكم بالمشاعر والانفعال لدى الطفل.

التنفس المربع (تقنية 4-4-4-4)

يُعد التنفس المربع للأطفال من أكثر تقنيات التنفس فعالية في تهدئة الأعصاب والسيطرة على الغضب. تُعرف هذه الطريقة أيضًا باسم تنفس الصندوق أو تنفس المربعات الأربعة، لأنها تعتمد على تخيّل أربعة جوانب لصندوق أثناء ممارسة التنفس، مما يساعد على تهدئة العقل وتنظيم إيقاع التنفس.
تُستخدم هذه التقنية في بيئات شديدة الضغط مثل الجيش والشرطة، نظرًا لقدرتها العالية على تخفيف التوتر وتحفيز التركيز الذهني. ورغم أنها تُستخدم من قبل البالغين في المواقف الصعبة، إلا أنها مناسبة تمامًا للأطفال أيضًا، إذ يسهل تعلمها وممارستها في أي وقت يحتاج فيه الطفل إلى التهدئة.
خطوات تعليم الطفل التنفس المربع:
اختر مكانًا هادئًا خاليًا من المشتتات، واطلب من طفلك الجلوس في وضع مريح مع إغلاق عينيه.

اطلب منه أن يتخيل صندوقًا أمامه، ثم يبدأ بتتبع أحد جوانبه أثناء الشهيق ببطء عبر الأنف لمدة أربع ثوانٍ.

بعد ذلك، يحبس أنفاسه لأربع ثوانٍ بينما يتتبع الجانب الثاني من الصندوق.

ثم يزفر ببطء لمدة أربع ثوانٍ أثناء تتبع الجانب الثالث من الصندوق.

وأخيرًا، يحبس أنفاسه مرة أخرى لأربع ثوانٍ أثناء تتبع الجانب الرابع.

يمكنك تكرار التمرين عدة مرات حتى يشعر الطفل بالهدوء، أو تعديل العدّ حسب قدرته. مع الممارسة المنتظمة، سيتعلم الطفل استخدام التنفس المربع كأداة فعالة لإدارة الغضب والتوتر والسيطرة على مشاعر الطفل في المواقف اليومية.

كيفية تعليم طفلك التحكم في التنفس

يُفضَّل أن تبدأ تعليم طفلك تقنيات التنفس عندما يكون في حالة هدوء واسترخاء، وليس أثناء نوبة غضب.
خصص بضع دقائق يوميًا لممارسة تمرين واحد فقط، حتى يتمكن من تطوير مهارة التحكم في التنفس تدريجيًا مع مرور الوقت، فالأمر يشبه تعلم أي مهارة جديدة في الحياة؛ حيث يحتاج إلى التكرار والصبر والممارسة المستمرة.
امنح طفلك حرية اختيار تقنية التنفس التي يُفضلها، سواء كانت تنفس البطن أو التنفس المربع، فهذا الاختيار يعزز شعوره بالاستقلالية ويجعل التجربة أكثر متعة.
يمكنك البدء بالطرق البسيطة ثم الانتقال تدريجيًا إلى التقنيات الأكثر تعقيدًا مع تحسن قدرته على التركيز والتنظيم الذاتي.
من المفيد أيضًا أن تمارس التمارين مع طفلك، فمشاركة اللحظة نفسها لا تُساعده فقط على تعلّم الخطوات بشكل صحيح، بل تُقوّي أيضًا الرابط العاطفي بينكما، وتُعزّز شعوره بالأمان والثقة أثناء تعلمه كيفية تهدئة نفسه.

إن تعليم الأطفال تقنيات التنفس العميق ليس مجرد وسيلة السيطرة على مشاعر الطفل، بل هو خطوة أساسية نحو تنمية الوعي العاطفي لديهم، وتعليمهم كيفية التعامل مع مشاعرهم بطريقة صحية ومتزنة، فعندما يتعلم الطفل أن يتنفس ببطء ووعي، فهو في الواقع يتعلم كيف يُنظّم أفكاره، ويُهدئ جسده، ويُعبّر عن انفعالاته دون انفجار.

0
شارك المقال :
مقالات ذات صلة :
الغضب في العمل: لماذا لا يطفئه التنفيس؟
الغضب في العمل: لماذا لا يطفئه التنفيس؟
كيف تساعد تمارين التنفس على تهدئة غضب طفلك وقلقه
كيف تساعد تمارين التنفس على تهدئة غضب طفلك وقلقه