وصلك تنبيه سلوكي عن ابنك
الساعة الثانية عشرة ظهراً. يهتزّ الجوّال في اجتماع، فتنظر إليه سريعاً: إشعار من المدرسة. سطر واحد لا أكثر، فيه مخالفة سلوكية أو ملاحظة أو رصد. لا سياق ولا تفصيل ولا اسم شخص تتّصل به.
وتبدأ الأسرة مساءها بمعركة كان يمكن تفاديها.
وهذا موقف يتكرّر كلّ عام على نطاق واسع في مدارسنا، ولا يكاد يوجد محتوى عربي واحد يخبر الأسرة بما تفعله في الساعات التالية.
أوّلاً: ما التنبيه أصلاً
التنبيه السلوكي رصد إداري لواقعة، وليس حكماً على شخصية الابن ولا تقريراً عن أخلاقه.
ووزارة التعليم تعالج السلوك المدرسي ضمن قواعد السلوك والمواظبة، وتتفاوت المخالفات في درجاتها وفي الإجراءات المترتّبة عليها. والفرق بين أسرة تتعامل مع الرصد بوصفه معلومة وأسرة تتعامل معه بوصفه اتّهاماً هو الفرق بين حلّ المشكلة وتضخيمها.
وليست التنبيهات كلّها سواء
فقبل أن تقرّر ردّ فعلك، صنّف ما وصلك، فهي ثلاثة أنواع تختلف في المعالجة اختلافاً تامّاً.
أوّلها تنبيه مواظبة، من تأخّر أو غياب أو خروج من الحصّة. وهذا في الغالب مسألة تنظيم وقت ونوم وروتين، وعلاجه في البيت أكثر منه في المدرسة.
وثانيها تنبيه سلوك عابر، من مشادّة أو رفع صوت أو مخالفة للائحة. وهذه واقعة مفردة تُعالَج بحديث وإصلاح ولا تستدعي أكثر من ذلك.
وثالثها تنبيه يمسّ شخصاً آخر، من إيذاء أو تنمّر أو إتلاف ممتلكات. وهذا وحده يستدعي مساراً كاملاً من سماع وإصلاح محدّد ومتابعة مع المدرسة.
والخلط بين الثلاثة هو السبب الأوّل في الاستجابات المبالغ فيها، أو المتساهلة أكثر ممّا ينبغي.
الأخطاء الأربعة في المساء نفسه
أوّلها المواجهة فور دخوله من الباب، فالطالب عائد من يوم طويل، وهو في الغالب يعرف أنّ الإشعار وصل، ومستعدّ للدفاع لا للحديث. فأجّل ساعة.
وثانيها الحكم قبل السماع، فالتنبيه يحمل رواية طرف واحد بالضرورة، وليس معنى ذلك أنّها خاطئة، وإنّما معناه أنّها ناقصة.
وثالثها الاتّصال الغاضب بالمدرسة، فهو يحوّل الموجّه الطلّابي من حليف محتمل إلى طرف يدافع عن نفسه، فتخسر أهمّ مصدر للمعلومات لديك.
ورابعها العقوبة الكبرى في الحال، فسحب الجهاز شهراً يُنهي النقاش ويعلّم درساً واحداً، وهو ألّا يُكتشف مرّة أخرى.
ثلاثة أسئلة للمدرسة قبل أن تسأل ابنك
اتّصل بالموجّه الطلّابي أو راسله بهدوء واسأله: ما الذي حدث بالتحديد، ومتى، ومن كان حاضراً؟ وهل هذه أوّل مرّة أم أنّ لها سابقة لم تصلني؟ وما الخطّة المقترحة للأسابيع الأربعة القادمة؟
والسؤال الثاني أهمّها، فالواقعة المفردة شيء، والنمط المتكرّر شيء آخر تماماً. وأمّا السؤال الثالث ينقلك من موقع المُساءَل إلى موقع الشريك.
كيف تفتح الحديث معه
ابدأ بجملة تصف ولا تتّهم: وصلني إشعار من المدرسة، وأودّ أن أسمع القصة منك.
ثمّ اصمت، فالصمت هنا أداة لا حرج، وأكثر ما يُفسد هذه المحادثات أن يملأ الوالد الفراغ بالأسئلة المتتالية، فيصير الحوار تحقيقاً.
وحين يتحدّث، انتبه إلى فرق جوهري: أيروي ما حدث أم يروي من الملوم؟ فالطالب الذي يبدأ بأنّ الآخر هو الذي بدأ لم يصل بعد إلى المرحلة التي يستطيع فيها أن يُصلح شيئاً. وهذا لا يُعالَج بالضغط، وإنّما بسؤال واحد بعد أن يهدأ: لو عاد بك الموقف، فما الشيء الوحيد الذي كنت ستفعله على نحو آخر؟
«الأستاذ يستهدفني»
جملة يقولها كثير من الطلّاب في هذه السنّ، وهي صحيحة أحياناً ودرع دفاعي أحياناً. والخطأ أن تحسمها في الحال في أيّ اتّجاه، فتصديقها كلّها يضع ابنك في مواجهة مع مدرسته، وتكذيبها كلّها يعلّمه أنّك لن تصدّقه يوم يُظلم فعلاً.
والردّ المتوازن: قد يكون، فلننظر في الأمر. ثمّ اطلب منه شيئاً محدّداً، وهو أن يسجّل خلال أسبوعين ما حدث بالضبط في كلّ مرّة: التاريخ، والموقف، ومن كان حاضراً.
والطلب في ذاته يفعل أمرين، فهو يمنحه شعوراً بأنّك معه، ويحوّل الشكوى العامة إلى وقائع يمكن أن تُناقَش. وفي أغلب الحالات تكشف الورقة نفسها النمط، سواء أكان في تصرّف المعلّم أم في تصرّف الابن.
متى يكون التنبيه عرضاً لا سلوكاً
وهذه أهمّ فقرة فيما سبق.
التنبيه المتكرّر، ولا سيّما إن كان مركّزاً في حصص بعينها، أو في أوقات محدّدة من اليوم، أو مصحوباً بتراجع دراسي، قد لا يكون عن الانضباط أصلاً. فوراء كثير من التنبيهات المتكرّرة صعوبة تعلّم غير مكتشفة، إذ الطالب الذي لا يفهم الدرس يشوّش عليه. أو تشتّت انتباه يظهر سلوكاً ويُقرأ استهتاراً. أو تنمّر يتعرّض له هو، فيُرصد ردّه ولا يُرصد أصل الموقف. أو ضغط في البيت يخرج في المدرسة.
ويتّصل هذا مباشرة بما نصّ عليه نظام التعليم العام في مادّته التاسعة عشرة من برامج للكشف المبكر عن حالات الاضطراب. فإن تكرّرت التنبيهات فالسؤال الصحيح للمدرسة ليس: كيف نعاقبه؟ وإنّما: هل نُظر في احتمال أن يكون خلف هذا السلوك سبب آخر؟
وإن رأيت في الرصد ظلماً
للطالب حقّ نظامي في أن تُسمع شكواه وتُقيَّد ويُتّخذ الإجراء اللازم بشأنها، بنصّ المادة الثامنة والثلاثين من النظام. والمسار الصحيح تقديم الشكوى وقيدها رسمياً، لا إدارتها عبر محادثة عابرة أو عبر مجموعة أولياء الأمور.
الأسبوعان التاليان
اتّفق مع ابنك على سلوك بديل واحد محدّد لا على قائمة: إن استفزّك أحد اخرج من الموقف وكلّم الأستاذ. وثبّت متابعة قصيرة مع المدرسة كلّ أسبوع مدّة شهر.
ثمّ أخبره حين يتحسّن، وهذه خطوة تُنسى دائماً. الطالب الذي لا يُلتفت إليه إلّا عند الخطأ يتعلّم أنّ الظهور لا يأتي إلّا بالخطأ.
التنبيه السلوكي ليس نهاية شيء، وإنّما هو معلومة وصلتك مبكراً بما يكفي لتتصرّف، وهذه في الحقيقة ميزة لا مصيبة.